المحامي إيلي شربشي

الدائرة 16 في قانون الانتخابات اللبناني: التمثيل الاغترابي بين النصّ والتطبيق معاً ليكون رافعة حقيقية لبناء لبنان المواطنة لا لبنان المحاصصة

4 دقائق للقراءة

في العامين 2016 – 2017 ومع دراسة المجلس النيابي والقوى السياسية اللبنانية لإقتراح تعديل قانون الانتخابات النيابية، فرض الثنائي وحليفهما التيار الوطني الحرّ الذي كان ممسكاً بوزارة الخارجية إقرار الدائرة 16 المتعلقة بإقتراع المغتربين لستة نواب في الخارج  وإلاّ لا قانون والبقاء على قانون الستين الذي كان يحرم المسيحييون من التمثيل العادل والحقيقي.

وتُعتبر الدائرة السادسة عشرة التي أقرّت، واحدة من أبرز الابتكارات في النظام الانتخابي اللبناني، إذ خُصّصت لتمثيل المنتشرين اللبنانيين في الخارج عبر ستة مقاعد نيابية تمثل بعض الطوائف اللبنانية،  وتشير المادة 112 من قانون الانتخابات إلى أن الدائرة الانتخابية السادسة عشرة هي دائرة انتخابية كبرى مخصّصة للمغتربين اللبنانيين، مقسّمة إلى ست دوائر صغرى تُوزّع على القارات الست بحيث يُخصّص لكل دائرة صغرى مقعد واحد لطائفة من الطوائف الست المحددة في نص القانون ولكن دون تحديد القارات ودون تحديد الية توزيع الطوائف على القارات.

وقد أثار النظام المقترح جملة من الإشكاليات القانونية والسياسية، أبرزها:

- إن عدد القارات هو سبعة وليس ستة، ولم يسمي القانون القارات المقترحة.

- وزّع المقاعد بمعيار لكل قارة مرشح من مذهب محدد دون تحديد أي مذهب لأي قارة وأيّ قارة لن يكون لها ممثل.

- وزّع المقاعد على ستة طوائف لديها وفق التقسيم المعتمد عدد مقاعد أكثر من المستحق لها، وأهمل تمثيل طوائف اصلاً مهمشة في القانون وهي السريان الكاثوليك والأرثوذكس واللاتين عند المسيحيين وربما العلويين عند المسلمين.

- غياب المساواة في الصوت التمثيلي إذ أن عدد الناخبين اللبنانيين في الخارج يختلف جذرياً بين القارات، ما يؤدي إلى تفاوت كبير في وزن الصوت الانتخابي، إذ قد يمثل المقعد الواحد في قارة "أ" عشرات آلاف الناخبين، بينما يمثل المقعد في قارة "ب" بضعة آلاف فقط.

- التقييد الطائفي للتمثيل إذ جعل كل مقعد محصوراً بطائفة محددة يناقض مبدأ تمثيل الانتشار بوصفه امتداداً وطنياً شاملاً، ويعيد إنتاج الاصطفاف الطائفي خارج الحدود بدل تجاوزه إذ يصبح سكان كل دائرة صغرى ملزمين بمنح الصوت التفضيلي للمرشح العائد للطائفة المخصّص لها المقعد في تلك الدائرة، أي أنّ المنافسة الانتخابية في الخارج لا تتمّ على أساس وطني عام، بل على أساس طائفي محدّد داخل كل قارة.

وبذلك، نكون أمام نظامين انتخابيين مختلفين داخل القانون الواحد، الأول نظام يعتمد النسبية والصوت التفضيلي ضمن دوائر متعددة المقاعد، والثاني نظام آخر خارج لبنان يعتمد على تقسيم جغرافي وطائفي جامد لا يراعي مبدأ المساواة في التمثيل.

هذه الازدواجية تمثل مخالفة صريحة لمبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عنه في الدستور اللبناني، وخرقاً لمبدأ وحدة التشريع الذي يفرض أن تُطبّق القواعد الانتخابية على نحو موحّد وعادل على جميع الناخبين، مقيمين كانوا أم مغتربين.

بالخلاصة، إن الدائرة 16 تُثير إشكالية دستورية جوهرية تتعلق بمدى انسجام النص مع المبادئ العامة التي ترعى العملية الانتخابية، خصوصاً في ما يتصل بالمساواة في التمثيل، وحدة النظام القانوني، وضمان عدالة الصوت الانتخابي، الأمر الذي يؤكد صوابية اقتراح القانون الذي تقدم به 67 نائب في البرلمان لإلغاء المقاعد الست كما ومشروع القانون الذي احاله السيد وزير الخارجية الى الحكومة بالموضوع ذاته والذي وللأسف لم يٌعرض لتاريخ اليوم 22 تشرين الأول 2025 على مجلس الوزراء للمناقشة حوله. ونختم بالقول إن المطلوب اليوم ليس إلغاء صوت الاغتراب، كما يسعى الممانعون لذلك بل تصويب آليته ليصبح رافعة حقيقية لبناء لبنان المواطنة لا لبنان المحاصصة.