لا يستطيع خبراء الإعلام والإعلان والتسويق، عند تتبّعهم المسار الإعلامي الذي انتهجته الحالة العونية منذ تعيين العماد ميشال عون قائدًا للجيش اللبناني في حزيران 1984 خلفًا للعماد إبراهيم طنوس بضغطٍ سوري، وصولًا إلى مقابلة وريثه وصهره المهندس جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، على شاشة تلفزيون "الجديد" المتبدّل لونه في 26 تشرين الأول 2025، إلا أن يضعوا أداء هذه المدرسة في خانة الإعلانات السيئة أو المثيرة للجدل، التي تثير ضجة مؤقتة وتلفت الانتباه لفترة وجيزة، حتى لو كانت ردود الفعل سلبية.
لقد شكّلت الاستفزازات والفبركات العونية على مدى عقود نموذجًا صارخًا لتلك الدعاية التضليلية التي انتهى مفعولها على الناس دون أن يدرك أصحابها ذلك، غافلين عن المقولة المنسوبة إلى الرئيس الأميركي الأسبق إبراهام لنكولن:
"يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت."
إنّ ردّات الفعل على مقابلة باسيل الأخيرة جاءت دليلًا على نهاية مرحلة التضليل العوني، بعد سلسلة هزائم وخيبات مني بها تياره، وبعد كساد بضاعته السياسية الفاسدة التي اعتاد ترويجها وتسويقها بين اللبنانيين.
في إطار الغشّ المتعمّد، قال باسيل إنّ بعض اللبنانيين في الداخل يستعملون مع “الحزب” لغة تهديدية، متناسيًا أنّ هذا الحزب المسلّح هو الذي نشأ على ثقافة التهديد والاغتيال والحروب الداخلية، من اختطاف واغتيالات و7 أيار، إلى جرائم لقمان سليم والياس الحصروني، مرورًا بعين الرمانة وطريق المطار وصخرة الروشة.
أما خوف باسيل على “السلم الأهلي” في حال نزع سلاح الحزب “بوجود الاحتلال الإسرائيلي والخطر الإرهابي”، فنذكّره بمحاولة مؤسّس تياره نزع سلاح القوات اللبنانية في ظلّ عشرات الميليشيات والاحتلالات السورية والإيرانية والإسرائيلية، والتي كلّفت المناطق المسيحية أثمانًا باهظة في الأرواح والممتلكات والسيادة.
وفي حديثه عن “منح شرعية لسلاح حزب الله بعد الطائف”، يحاول باسيل تزوير الوقائع، متجاهلًا التحفّظات التي سجّلها وزراء القوات والكتائب في محاضر الجلسات الحكومية. أما “التحالف الرباعي” الذي يتذرّع به، فهو تحالف بين المستقبل، الاشتراكي، أمل، والحزب، الذي منح تياره أصواته في معظم الدوائر يوم كان رئيس القوات اللبنانية في السجن.
أما عن “الوصايات الخارجية”، فحبّذا لو تذكّر باسيل تحالفه العضوي مع “حزب إيران” كما وصفه اللبنانيون، والتكامل بين التيار البرتقالي ومحور الممانعة الذي ضرب بسيفه في رقاب اللبنانيين.
وفي تبريره لتبدّل تحالفاته كما يبدّل ثيابه، وتحالفه مع “الجماعة الإسلامية” بعد أن خوّن القوات اللبنانية واقتطع عبارة “فليحكم الإخوان” من سياقها، يقول إنّ “القانون يفرض التحالفات ولا عقدة لدينا من أحد”، وهو اعتراف صريح بانتهازية سياسية باتت سمة دائمة في سلوكه.
يقرّ باسيل أخيرًا، من حيث لا يدري، بتمثيل القوات اللبنانية للمسيحيين حين قال: “من يمثل المسيحيين عليه احترام تمثيلهم وحفظ حقوقهم في الإدارة”، متناسيًا أن الناس كافأت القوات ورئيسها في كل استحقاق انتخابي ونقابي وطلابي، فيما عاقبت تياره على فساده وزبائنيته وسوء إدارته.
ونترك للمنشقين عن تياره، وهم كثر، مهمة كشف حقيقة ممارسات باسيل البعيدة عن “خط التيار التاريخي” الذي كان يدّعي محاربة الإقطاع والعائلية والتوريث والفساد، فيما غرق هو في أحضان الزبائنية والتبعية المالية والسياسية لمحاور الممانعة حتى حدود الانبطاح.
وقد صدق الكتاب المقدس في قول السيد المسيح (لوقا 8:17):
"لأنه ليس خفيٌّ لا يُظهَر، ولا مكتومٌ لا يُعلَم ويُعلَن."
فما خفيَ من غشّ باسيل وتياره قد انكشف، وما سُتر من زيفهم قد صار اليوم علنًا.