في زقاقٍ ضيّق متفرّع من "شارع الحمرا"، بين مقهى قديم ومكتبة أقفلت أبوابها منذ سنوات، تلمع واجهة صغيرة بالكاد تُرى من الزحمة. خلف الزجاج المتشقق تتكدّس "أشرطة كاسيت" باهتة اللون، تشهد على زمن كانت فيه الموسيقى تُسمَع ولا تُحمَّل.
منذ أكثر من أربعين عامًا، لم يغيّر أبو ناصر مكانه ولا عادته اليوميّة: يبدأ صباحه بتشغيل "كاسيت" قديم قبل أن يفتح باب الدكان. يبتسم قائلًا لـ "نداء الوطن": "كنت شغّل الكاسيت قبل ما إفتح الدكّان… وهلّق الدكّان ما بيفتح إلا ع الكاسيت".
هكذا يعيش الرجل السبعينيّ الذي يُعرَف اليوم بكونه آخر بائع "كاسيتات" في بيروت، حارسًا لذاكرة صوتيّة تختصر سيرة مدينة قاومت الحروب بالأنغام، وما زالت تحاول أن ترفع صوتها في زمن الصمت الرقميّ.
حين غنت فيروز على أصوات القذائف
منذ عام 1983، لم يُغلق أبو ناصر متجره يومًا إلّا ليعود إليه في اليوم التالي. وسط الحرب الأهليّة، كان صوته يتردّد من داخل الدكّان ممزوجًا بصوت فيروز وهي تغني "راجعين يا هوى"، كأنها تواسي مدينة تنزف. يقول مبتسمًا: "كان الزبون يشتري شريط مشان يهرب من صوت الحرب. بدّو يسمع شي يذكّرو إنو في حياة بعد الصاروخ".
ورغم تبدّل الأزمنة وانهيار العملة من ثلاث ليرات للدولار الواحد، إلى أكثر من مئة وخمسين ألفًا، ظلّ متجره شاهدًا على ذاكرة بيروت الصوتيّة. يضيف: "من الحرب للإعمار، ومن شريط بـ 10 ليرات إلى بلد بلا كهربا… وأنا بعدني عم سمّع الناس".
أرشيف بيروت المغناطيسي
تغطّي جدران متجر أبو ناصر مئات الأشرطة التي توثق مراحل لبنان الفنية: من فيروز وصباح ووديع الصافي إلى زياد الرحباني ومارسيل خليفة، وصولًا إلى مغنين عالميّين مثل بوب ديلان والـ "Bee Gees".
يقول وهو يربّت على الأشرطة كمن يلمس وجوهًا قديمة: "كل شريط هون إلو عمر، وإلو بيت. في ناس رجعوا بعد سنين ليشتروا نفس الأغنية اللي كانت تشتغل بعرسُن أو بأول سيارة اشتروها". ويتابع: "الكاسيت ما بينسى. بيخزن النَفَس، والغبرة، والذكريات. متل بيروت، مليانة شرخ بس بعدها بتغني".
جيل يكتشف الصوت الحقيقي
في السنوات الأخيرة، تغيّر نوع الزبائن. صار أغلبهم من الشباب الذين لم يعيشوا زمن "الكاسيت"، لكنهم يأتون مدفوعين بالحنين إلى ما يسمّونه "النوستالجيا الصوتية". بعضهم يشتري الأشرطة للتصوير فقط، وبعضهم ليكتشف شيئًا مختلفًا.
يروي أبو ناصر قصة شاب يدرس الموسيقى بحث عن تسجيل نادر لزياد الرحباني: "لمّا سمعو، دمّعت عيونو. قلّي: الصوت مش نضيف، بس حقيقي. قلتلو: هيي دي كلمة السرّ".
من ساحات 2019 إلى صمت اليوم
في خريف 2019، حين امتلأت شوارع بيروت بالمحتجين، فتح أبو ناصر باب متجره ووضع شريطًا لزياد الرحباني. "كانوا الشباب يغنوا أمام الدكان، حسّيت بيروت بعدها بتتنفّس"، لكنه يستدرك بحزن: "بس بعدين رجع الصمت، وهيدا أصعب من الحرب. لأنو وقت الحرب كنا نعرف مين عم يضرب، اليوم ما منعرف مين عم بسكّتنا."
"نضيف… بس بيوجِّع"
عن الموسيقى الحديثة، يقول أبو ناصر مبتسمًا: "الصوت الرقمي نضيف زيادة عن اللزوم. الكاسيت فيه خش، فيه نَفَس، فيه حياة. نحنا متلن، مش نضاف عالآخر، بس صادقين". ويضيف: "كنت سجّل الأغاني يدويًا على شريطَين بنفس الوقت. كنت حسّ حالي عم بطبخ الصوت. اليوم بِزِرّ واحد بيعملوا كل شي… بس الطعم راح".
بيروت تُعيد التشغيل
قبل أن يغلق متجره مساءً، يشغل أبو ناصر شريطًا لفيروز تغني "رجعت الشتوية". تمتزج النغمة مع ضجيج السيارات، لكن الصوت يبقى واضحًا، كأنه مقاومة صغيرة ضد النسيان. يقول: "كلّ سنة بترجع الشتوية، وكل مرّة بحسّها غير. يمكن لأنو كلّ شي تغيّر… إلّا هالصوت". ويختم بابتسامة تصالُح مع الزمن: "ما بدّي بيع، بدي سمِّع. لأنو اللي بينسى صوتو… بينسى حالو".
في متجر أبو ناصر، لا يُباع الماضي بل يُستعاد. هناك، في زاوية صغيرة من الحمرا ما زال الصوت يقاوم الصمت، والمغني القديم يروي سيرة مدينة لم تفقد لحنها بعد.