نهار الخميس 7 أيلول 1979 إثر إعلان الرئيس الياس سركيس مبادئ الوفاق الوطني، أصدرت "قوات الردع العربية" بيانًا، أشارت فيه إلى أن الوحدات السورية وببادرة حسن نية تجاه الحكم اللبناني، ستنسحب نهائيًا من مناطق: فرن الشباك، الحدث، الحازمية، وعلى الفور انتشرت وحدات من الجيش اللبناني في المراكز التي أخلتها القوات السورية.
أواخر عام 1978 بعد انتهاء حرب المئة يوم، رست خريطة القوى السياسية والعسكرية الناشطة في لبنان، على التوزع الجغرافي التالي:
- المنطقة التي تسيطر عليها القوات السورية: محافظة الشمال بالكامل، ما عدا قرى وسط وجرد منطقة البترون، ومدينة طرابلس بين عامي 1982 - 1985. محافظة البقاع بالكامل ما عدا مدينة زحلة، التي عادت ودخلتها أواخر عام 1985 سلميًّا بعد الاتفاق مع رئيس "الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية" إيلي حبيقة. أعالي منطقتي المتن الشمالي وبعبدا. الجزء الجنوبي من محافظة جبل لبنان الواقع جنوبي طريق الشام. بيروت الغربية. مدينة صيدا ومنطقتا الزهراني وجزين.
مع بداية عام 1980 انسحب الجيش السوري من صيدا ومحيطها والشريط الساحلي حتى خلدة.
انتشرت في مناطق سيطرة الجيش السوري المنظمات الفلسطينية والأحزاب والتنظيمات اليسارية المنضوية في الحركة الوطنية، وحركة أمل الشيعية، وجيش لبنان العربي، بعد إطلاق سراح قائده الملازم أول أحمد الخطيب من السجون السورية في 4 تشرين الثاني 1978 بعد اعتقاله قبل نحو سنتين. وفي الأقضية الشمالية المسيحية انتشر تنظيم "المرده" التابع للرئيس سليمان فرنجية. وبقي الجيش اللبناني في ثكناته.
- المنطقة التي تسيطر عليها الجبهة اللبنانية:
بيروت الشرقية، منطقتا كسروان وجبيل بالكامل، الجزء الساحلي من منطقة المتن الشمالي، بعض قرى منطقتي بعبدا وعاليه، منطقة البترون الوسطى والجردية، مدينة زحلة حتى سنة 1985.
انتشرت بعض وحدات الجيش اللبناني في بعض الضواحي الشرقية لبيروت (بعبدا، الحازمية، اليرزة).
- المنطقة التي تسيطر عليها منظمة التحرير الفلسطينية:
من صيدا جنوبًا حتى نهر الليطاني، وعرفت هذه المنطقة تزايد نفوذ حركة "أمل" على حساب منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها.
بعد انسحاب القوات السورية من جنوب بيروت عام 1980، امتدت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية على الخط الساحلي حتى بيروت الغربية.
- منطقة عمل قوات الطوارئ الدولية:
جنوب نهر الليطاني من الساحل حتى حدود منطقة شبعا، باستثناء المنطقة المحيطة بقلعة الشقيف، وتمركزت في القرى المنتشرة فيها القوة الدولية مجموعات فلسطينية ويسارية.
- الشريط الحدودي:
امتد على طول الحدود اللبنانية – الفلسطينية من الناقورة إلى مرجعيون بعرض يتراوح بين 7 و 15 كلم. وسيطر عليه الرائد سعد حداد الذي أعلن قيام دولة لبنان الحرّ.
بطولات الطواقم الطبية
كثيرة البطولات التي عرفتها المنطقة الشرقية يومها وقد لا تتسع مجلدات لروايتها، لكن من المهم ذكر بطولات الطواقم الطبية ورواية كيف أمنت قرى بلاد البترون الخبز للمحاصرين في بيروت الشرقية؟
كان للطواقم الطبية من أطباء وممرضين ومسعفين وعمال في المستشفيات دور محوريّ في الصمود، فاستطاعوا إنقاذ المئات من موت محتم وكانوا يعملون في ظروف صعبة للغاية إن لم نقل مأسوية: كانوا أبطالًا حقيقيين.
لن نتمكن من تعدادهم، ولكن لا بد من التوقف عند الدور الذي لعبه طبيب الرأس المشهور البروفسور جدعون محاسب. بحسب ما رواه لاحقًا: كان في كسروان وجاءه خبر أن الشيخ بشير الجميل يطلب منه الحضور إلى بيروت لأن الجرحى بالعشرات وكثر منهم إصاباتهم في الرأس.
يضيف: حاولت التوجه برًا، ولكن كان ذلك مستحيلاً، فركبت البحر مع المقاتلين وفورًا إلى مستشفى أوتيل ديو.
أيام وليالٍ قضاها البروفسور محاسب يجري عمليات جراحية في الرأس وغير الرأس، لم يكن ينام إلا ساعات قليلة فالجرحى يصلون بالعشرات.
يختم بالقول: كان الأطباء المساعدون والممرضون في غرف العمليات أبطالًا حقيقيين. كانوا يتكفلون بتجهيز الجريح للعملية قبل دخولي غرفة العمليات وإنهاء العملية الجراحية، فيما انتقل سريعًا إلى جريح آخر: كانت دقائق قادرة على إنقاذ الجريح من موت محتم.
تأمين الخبز من بلاد البترون إلى بيروت
اندلعت حرب المئة يوم وراحت القذائف تدك شوارع وأحياء بيروت الشرقية دكًا غير مسبوق، ووصل جنون هذا القصف حتى ساحل ووسط كسروان، لكن قرى وسط وجرد بلاد البترون، بقيت تقريبًا بعيدة من هذا الجنون.
تقطعت الطرقات وانقطع كل شيء، وأصبح الحصول على رغيف خبز إنجازًا: هنا أتى الحل من بلاد البترون.
في القرى والبلدات البترونية أفران قديمة، كانت تستعمل لصنع الخبز العربي أو ما يسمى في قرانا "الخبز المرقوق"، وأعيد العمل في هذه الأفران خلال حرب السنتين لتتوقف مجددًا بعد انتهاء تلك المرحلة من الحرب، فلمَ لا يعاد العمل فيها؟
طرح الصوت في القرى البترونية: أهلنا في بيروت جائعون ويريدون خبزًا.
هبّ الجميع للعمل: الرجال توجهوا إلى تلك الأفران وأعادوا تنظيفها وجهزوها، وأحضروا حزم الحطب، فيما النساء شددن الأقمطة على رؤوسهن استعدادًا للعجين والعمل في الأفران.
كان المطلوب تأمين الطحين، فتكفل الشباب رغم الخطر بتأمينه من مطاحن بيروت بحرًا، إلى مرفأ جونيه ومنه بالشاحنات إلى القرى البترونية، وبدأ العمل، حيث جال شباب "المقاومة اللبنانية" على القرى يجمعون الخبز ويهبطون به إلى مرفأ جونيه ومنه بحرًا إلى مرفأ بيروت ليوزع على المحاصرين في الملاجئ.
معظم أهالي وساكني بيروت الشرقية وقتها، ما كانوا يعرفون هذا الخبز وأشعرهم طيب مذاقه أنه هدية من الله في تلك الأيام القاسية، فكما أطعم الآلاف في تلك المعجزة الخارقة، ها هو يوزع عليهم اليوم هذا الخبز المقدس.
أيام وليالٍ قضاها شباب ورجال ونساء بلاد البترون، وحتى كبار السن منهم، يؤمنون الطحين من جونيه إلى قرى بلاد البترون ليعجنوه ليلًا ويخبزوه نهارًا ويعاد إلى بيروت خبزًا طازجًا رائحته أشهى من طعمه.
رغم النكبة التي تعرضت لها القرى البترونية في الأسبوع الأخير من آب، لم يتوقف صنع الخبز سوى أقل من 15 يومًا، فعاد الأهالي إلى أفرانهم مع بداية الأسبوع الثاني من أيلول. كميات من "الخبز المرقوق" أمنتها البلدات البترونية للمحاصرين، فشكل هذا العمل دعمًا إضافيًّا لصمود الأشرفية وباقي المناطق الشرقية.
ولا بد من التوقف عند الدور الذي لعبه القائد مسعود الحويك ابن حلتا البترونية لإنجاح هذا العمل الجبار.
كانت تلك الأيام قاسية، لكن بشهادة من عاشها وما زال على قيد الحياة، كانت أيامًا مميزة مشبعة بروح الوطنية والحرية والسيادة.