الياس دمّر

بين الرُّكام والألم والغيبوبة

مارسيل غصن يصوغ وجع المدينة في "صوت آب"

دقيقتان للقراءة

في فيلم "صوت آب" يُقدّم المخرج والكاتب والممثل مارسيل غصن تجربة سينمائيّة تنبض بوجع وطنٍ وذاكرة مدينة. الفيلم لا يكتفي بسرد مأساة، بل يُحاول استدعاء لحظة حدوثها للمُشاهد، حين يتعاظم الوجع فيها ليُصبح كلامًا ويتكاثر الرّكام ليُصبح ذكرى حيّة. ففي بيروت التي عاشت صدمة جماعية (انفجار مرفأ بيروت - 4 آب 2020)، يأتي هذا الفيلم لكي يسأل: كيف نسمع ما بقي صامتًا؟ وكيف نستيقظ بعدما انهار جزءٌ منا؟

يتمثل الفيلم في رحلة أب مُحاصَر تحت الرُّكام، يبحث بيأس ورغبة مُلحَّة عن صوت أحد أحِبَّته، فتتحوّل هذه الرّحلة إلى استكشافٍ داخلي لمعنى الفقدان والجسد المهزوم والمدينة المُمزقة. هذا التداخل بين الفرد والمدينة يُعطي للفيلم بعدًا رمزيًا، ليس فقط في الرّجُل المُحاصر، بل في كلِّ من يشعر بأنه جزءٌ من هذا الخراب، وفي كلّ من لا يزال يسمع صوت الذين اختفوا. كأن الصّوت هنا ليس مُجرَّد حوارٍ أو صوتٍ خلفيّ، بل هو حضورٌ يُطالب بالاعتراف بصراخ المدينة، بقلقها وهدير انفجارها.


حكاية ألم لن يختفي 

من الناحية البصريّة، يُحاول غصن خلق لقطاتٍ تنحو نحو التوثيق، إذ يجعل الرُّكام والمكان يُعبّران عن زمنهما ويمنحان البطل وقتًا للاستماع، وليس فقط للتصرُّف. مشهدٌ فيه الزمن يتباطأ، الأنفاس تُعدّ والمدينة تصبح جثة في جدارها، ركامها وصراخها. بهذا الحصار البصري، يتحقق لدى المُشاهد نوعٌ من الصّدمة المُتأخرة... ليس عند الانفجار نفسه، بل ما بعده، بما تبقى من الصّدى. أمّا من حيث الصوت نفسه، فالعنوان يحمل مفتاحًا، في تحميله صوتَان، دوي آب ووجع أب! والمُخرج يُحيلنا إلى مسافة بين ما يُسمع وما لا يُسمع، بين ما يُنطق وما يُخنَق. بذلك، يصير الصوت فعل مُقاومة للنسيان، لمحو التاريخ، ولعزوفنا عن التفاهم مع الألم والذاكرة.

يُفعِّل الفيلم السّينما التجريبيّة المُستقلّة كوسيلةٍ للتأمُّل في وجع الوطن من خلال الفرد. قد يكون العمل شاقًا في مُشاهدته، ويتطلَّب من المُتلقي نَفَسًا للتماهي مع إيقاعه البطيء وحواراته المُتكرِّرة، لكنه في المقابل يُقدّم مشاركة في استماعٍ جماعيّ لصوت المدينة التي ما زالت، رغم كلِّ شيء، تقاوم وتئن وتحبّ.

يُعرض الفيلم أيّام 4، 5 و 9 تشرين الثاني 2025، السّاعة 8:00 مساءً، في "District 7" - الجمّيزة. (التّذاكر لدى Antoine Ticketing).