اليوم، في ساحة النجمة، لم تُعقد الجلسة.
لم يكن الأمر مجرّد تفصيلٍ تقني أو حادث برلماني عابر، بل لحظة فارقة في مسار الحياة البرلمانية اللبنانية. فعدم انعقاد الجلسة لم يكن نتاج ضعفٍ في النصاب، بل ثمرة إرادة سياسية جديدة قرّرت أن تقول كفى. لقد اختار نواب المعارضة، هذه المرّة، أن يجعلوا من المقاطعة أداة لاستعادة الدستور، لا لتعطيله؛ مقاطعة تهدف إلى حماية المؤسسة من الانتهاك، لا إلى شلّها كما فعل فريق الثامن من آذار في مراحل سابقة حين استخدم الانسحاب كوسيلة لابتزاز المؤسسات والسيطرة عليها. أمّا اليوم، فالمشهد معكوس: الامتناع عن الحضور أصبح دفاعًا عن المبدأ، وعن البرلمان نفسه من خطر التحويل إلى رهينةٍ بيد شخصٍ واحد يقرّر وحده متى ينعقد المجلس وماذا يناقش وماذا يُمنع عنه النقاش.
في جوهر المسألة، لا يدور النزاع حول مادةٍ انتخابية فحسب، بل حول طبيعة النظام البرلماني نفسه. فحين يُحرم أكثر من نصف أعضاء المجلس من حقّ إدراج اقتراح قانونٍ على جدول الأعمال، يصبح ذلك انتهاكًا لمبدأ أساسي في الفقه الدستوري: أن السلطة التشريعية لا تتجزّأ، وأنها تمارس صلاحياتها جماعيًا لا عبر وصايةٍ من رأسها. إنّ الدستور اللبناني في مادته السادسة عشرة واضح في أنه "يتولى المجلس النيابي السلطة الكاملة في التشريع"، أي أنّ الإرادة الجمعية للنواب هي المصدر الأصيل للسلطة، لا إرادة شخصٍ يحتكر آلياتها. والمادة الثامنة والثلاثون من النظام الداخلي، التي تمنح كل نائبٍ حقّ اقتراح القوانين، لا يمكن تقييدها بتفسيراتٍ شكلية أو بتقديراتٍ شخصية تخضع لمزاج الرئاسة أو حساباتها السياسية. فحين تتحوّل هذه السلطة الإجرائية إلى أداة تعطيلٍ وانتقائية، يصبح النظام الداخلي نفسه خاضعًا لتأويلٍ سلطويّ يفرغه من مضمونه الديمقراطي.
إنّ ما شهدناه في الأسابيع الأخيرة ليس سوى نموذجٍ مصغّر عن الأزمة البنيوية في الدولة اللبنانية: صراعٌ بين مفهوم السلطة كخدمةٍ عامة ومفهومها كامتيازٍ خاص. ففي حين وُجد البرلمان ليعبّر عن الإرادة العامة للأمة، جرى تحويله تدريجيًا إلى مؤسسة تعمل بإيقاع فردٍ واحد، يتحكم في جدول أعمالها، ويحتكر تفسير نصوصها، ويصادر حقّ ممثلي الشعب في المبادرة التشريعية. هذا السلوك، من منظور القانون الدستوري، يُعدّ انتهاكًا لمبدأَي المداولة والتمثيل اللذين يشكّلان جوهر العمل البرلماني، ويمثّل انحرافًا واضحًا عن نموذج الدولة البرلمانية نحو نموذج الوصاية الفردية المقنّعة.
في العلم الدستوري، لا يمكن لأي سلطةٍ إجرائية أن تتفوّق على الإرادة السياسية للمجلس كهيئةٍ سيّدة. ومن هنا، فإنّ حصر جدول الأعمال أو احتجاز مشاريع القوانين لا يُعدّ إجراءً تنظيميًا، بل سلوكًا استبداديًا يتنافى مع جوهر الحياة النيابية.
وبالتالي إنّ فقدان النصاب اليوم ليس هزيمةً تشريعية، بل انتصارٌ دستوري. فللمرة الأولى منذ سنوات، فُرض على رئاسة المجلس أن تواجه حقيقة فقدانها للأكثرية، لا عبر الصفقات أو التسويات، بل عبر الوعي البرلماني الجديد الذي أعاد تعريف الشرعية من كونها رقمًا في الحضور إلى كونها احترامًا للدستور. لقد انتهى زمن إدارة المؤسسات على قياس الفرد، وبدأ زمن تصحيح المسار عبر رفض الانصياع لسلطةٍ تتصرّف كأنها فوق القانون. هذه ليست معركة حول مادةٍ في قانون الانتخاب فحسب، بل لحظة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والدستور، بين الشكل والمضمون، بين النصّ والنية.
إنّ لبنان الذي عاش طويلاً تحت سطوة التسلط والابتزاز السياسي، بدأ اليوم مسار استعادة سيادته الداخلية من داخل مؤسساته. والمشهد البرلماني الذي شهدناه ليس نهاية الأزمة، بل بداية الخروج منها. فحين يستعيد النواب دورهم كسلطةٍ رقابية وتشريعية حرة، وحين يصبح الامتناع موقفاً دستورياً لا وسيلةً للتعطيل، يمكن القول إنّ الجمهورية دخلت مرحلة التصحيح. مرحلةٌ لن تقوم فيها الدولة على الخضوع، بل على المحاسبة، ولن تُدار المؤسسات بمنطق الشخص، بل بمنطق القانون.
لقد قال اللبنانيون اليوم، عبر ممثليهم، إنّ الدستور ليس ورقةً في الأدراج ولا واجهةً للهيمنة، بل عقدُ شراكةٍ حقيقي بين المواطنين والدولة. وإنّ من أراد احتكار البرلمان، وجد نفسه أمام أكثريةٍ قرّرت أن تعيد إليه معناه. فالجلسة التي لم تُعقد، كانت في الحقيقة الجلسة الأولى لولادة مجلسٍ جديد: مجلسٍ حرّ، سيّد على قراره، يبدأ منه تصحيح الجمهورية.