جاد الاخوي

مصر بين لبنان وإسرائيل: وساطة حذرة على خطوط النار

5 دقائق للقراءة

منذ تصاعد التوتر على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، عادت القاهرة إلى واجهة المشهد الإقليمي بدورٍ يجمع بين الدبلوماسية والوساطة، وإن كان حتى الآن في نطاق "التحريك الهادئ" أكثر من كونه مفاوضات علنية. فمصر، التي تملك علاقات رسمية مع إسرائيل وروابط تاريخية وثقافية مع لبنان، تتحرك بوعي لتفادي حربٍ شاملة تهدّد بتفجير المنطقة كلّها، وتعيد خلط الأوراق في شرقٍ أوسطٍ مأزوم.

دوافع التحرك المصري

التحرك المصري تحكمه ثلاثة اعتبارات أساسية مترابطة.

أولاً، الموقع الجيوسياسي الذي يجعل من القاهرة حلقة وصل فريدة بين إسرائيل والعالم العربي، بما يمنحها شرعية سياسية وقدرة تفاوضية نادرة في محيطٍ متشابك المصالح. فمصر ما زالت، رغم التحولات الإقليمية، الدولة العربية الوحيدة التي تجمع بين ثقل التاريخ، والاستقرار النسبي، والعلاقات الرسمية مع جميع الأطراف المتنازعة تقريباً.

ثانياً، الخشية الأمنية من امتداد الحرب شمالاً نحو سوريا ولبنان، بما يهدد أمن سيناء وحدود المتوسط. فالقاهرة تدرك أن أي انفجار جديد على الساحة اللبنانية سيترك تداعيات مباشرة على استقرار البحر المتوسط، وعلى الأمن العربي الجماعي. وقد حذّرت علناً من “مخاطر الانفجار الإقليمي” على لسان وزير خارجيتها سامح شكري، الذي دعا إلى ضبط النفس ووقف العدوان على لبنان.

ثالثاً، السعي لاستعادة زمام الدور الإقليمي بعد سنوات من الانكفاء النسبي. فبينما برزت أدوار دول الخليج وقطر وتركيا في إدارة الملفات الساخنة، تحاول مصر إعادة التموضع كدولة محورية تملك شبكة علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران وتل أبيب على حد سواء.

أبرز محطات التحرك المصري (2023 – 2025)

• آب 2024: حذّرت مصر، خلال لقاء جمع رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل بالجنرال الأميركي مايكل كوريلا، من “الانزلاق إلى مواجهة كبرى في لبنان”، وأبلغت واشنطن أن أي توسيع للحرب سيؤدي إلى زعزعة أمن المتوسط وفتح جبهات غير محسوبة.

• أيلول 2024: أجرت القاهرة محادثات مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان خلال زيارته الرسمية، ركزت على “ضرورة احتواء التوتر اللبناني-الإسرائيلي ومنع تدحرجه إلى صراع إقليمي.

• تشرين الأول 2025: زار رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد بيروت والتقى الرئيس جوزف عون، مؤكداً استعداد القاهرة للمساعدة في “استقرار الجنوب” ودعم جهود التهدئة بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

• تشرين الأول 2025: أعلنت الخارجية المصرية رفضها “أي توغل بري إسرائيلي في الأراضي اللبنانية” واعتبرته انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

هذه المحطات تُظهر أن القاهرة تمارس دبلوماسية نشطة ولكن منخفضة الصوت، قائمة على الاتصالات غير العلنية والتحذيرات الهادئة، من دون أن تزجّ بنفسها في صلب التفاوض المباشر.

طبيعة الدور المصري

من مجمل الوقائع، يتّضح أن مصر لا تقوم بدور الوسيط المباشر في مفاوضات سياسية بين بيروت وتل أبيب، بل تعمل ضمن مستوى تيسيري يجمع بين التواصل الدبلوماسي والميداني عبر قنوات أمنية غير معلنة. فهي تتولى:

• نقل رسائل غير مباشرة بين الطرفين عبر وسطاء إقليميين ودوليين.

• دعم الاتصالات الأممية لتثبيت وقف النار وضبط الاشتباك.

• المساهمة في خلق مناخ عربي يوفّر غطاءً لأي تسوية مستقبلية، بالتنسيق مع قطر والأردن والولايات المتحدة.

ورغم أن القاهرة ليست الوسيط الحصري، فإنّ مكانتها التاريخية وعلاقاتها الواسعة تجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه، خصوصاً في ظلّ التحوّلات التي فرضتها عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإعادة ترتيب أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، حيث تميل واشنطن إلى تفويض شركائها الإقليميين بمساحات أوسع من الوساطة.

التحديات والآفاق

يبقى التحدي الأكبر أمام مصر أنّ الملف اللبناني معقّد للغاية بفعل وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية لا تخضع كلياً لسلطة الدولة، وهو ما يجعل أي وساطة مشروطة بتفاهمات غير مباشرة مع طهران. لذلك تحاول القاهرة إمساك العصا من الوسط: الحفاظ على قنواتها المفتوحة مع إيران، وتأكيد التزامها في الوقت نفسه بعلاقاتها الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي المرحلة المقبلة، يُتوقع أن تتوسع الوساطة المصرية لتشمل ترتيبات ما بعد وقف النار، لا سيما في مجالات إعادة الإعمار، ومراقبة الحدود، وتفعيل لجنة مراقبة الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية تحت رعاية أممية-عربية مشتركة. كما يمكن أن تلعب مصر دوراً في صياغة تفاهمات اقتصادية وأمنية تفتح الباب أمام تهدئة دائمة في الجنوب اللبناني، بما ينسجم مع مبادرة "الأمن مقابل التنمية" التي تدعمها واشنطن.

مصر اليوم تؤدي دور الوسيط الصامت بين لبنان وإسرائيل، تتجنب الأضواء لكنها تتحرك بثقلها الإقليمي لاحتواء أي مواجهة جديدة. وإذا ما تبلورت إرادة دولية حقيقية لفتح باب المفاوضات، فستكون القاهرة أحد الأعمدة الأساسية لأي تسوية محتملة، تماماً كما كانت دوماً: شريكاً ضرورياً في صناعة السلام حين يعجز الآخرون عن تجنّب الحرب.