أسبوع حافل بنشاط دبلوماسي دولي وإقليمي للحيلولة دون انزلاق الشرق الأوسط نحو عمليات عسكرية ربما فاقت دمارًا ودماء ما سبق.
كل الخيارات مفتوحة بدءًا بتحرك دبلوماسي مكثف لبلوغ تسوية إن لم تكن دائمة فطويلة الأمد، لا خيار إن اخفقت من تجديد العمليات العسكرية.
ربما جمح التفاؤل بالبعض فاعتبروا تفوق إسرائيل التقني والمخابراتي سيجعل التحالف الغريب بين "الإخوان المسلمين" و"ولاية الفقيه" يطوي صفحة الحروب ويرضخ لحلول سلمية قد يسمح للولايات المتحدة بوضع أسس سلام طويل وتطور وازدهار واستقرار أنظمة حكم من المستحسن أن تكون ديمقراطية، لكن أميركا تتسامح بها إن كانت سلطوية لا تطلق العنان لانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان.
ما هي فرص نجاح هذا السيناريو؟
الأوساط التي تروّج لهذا الخيار تستعين بسوابق قريبة الأجل نجحت في استبدال أنظمة حكم قمعية وعنصرية شنت حروبًا وأبادت الملايين، بأنظمة مستقرة تلتزم بمبادئ الديمقراطية وتبادل الحكم بناء على الإرادة الشعبية والاحتكام إلى القانون على غرار ما سبق في ألمانيا وإيطاليا واليابان. وأيضًا هناك الهند التي انتفضت على حكم الإنكليز لكنها احتفظت بالديمقراطية التي لم تكن من تراثها بل من الفكر السياسي البريطاني الذي حكمها لثلاثة قرون.
لمَ لا يكون إجراء مماثل حلًا للقضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي؟
كنا نتمنى نجاح هذه الأطروحة إذ مَن منا يختار الدمار والموت والحروب التي لا نهاية لها على الاستقرار والازدهار وسعة العيش؟ لكن مصدر الشك لا يعود إلى النية بقدر خلل منطقي يشوب هذا القياس. إنه "قياس مع الفارق". تقتضي جدية التحليل التأكد من أن لا وجود لعقبات جذرية تعطّل السياق وتنتهي بنتائج مختلفة قد تكون معاكسة.
الحركة الصهيونية، كما حماس، يلعب الإرث الديني دوره بهما. لكن الفرق بينهما بيِّن. الحركة الصهيونية، وهي علمانية، تستعين بالإرث الديني اليهودي كذكرى تاريخية تبني عليها واقعًا سياسيًا وليس كمصدر تشريع. أرض الميعاد، إرثًا وذكرى، تاريخية وليست وعدًا إلهيًا على المؤمن الالتزام به. حسبنا أن نعود إلى كتاب أحد مؤسسي الحركة الصهيونية ورئيس دولة إسرائيل الأول، حاييم وايزمان "الوصول والإقلاع" للوقوف على عداء اليهود خارج شرق أوروبا للحركة الصهيونية الوليدة. ثم إن الليكود، الحزب الحاكم حتى فترة قريبة، كان حزبًا علمانيًا لدرجة أنه في حرب 48 لم يكن شديد الاهتمام بضم القدس الشرقية خشية إعطاء الدينيين دفعًا.
ما زاد في تعقيد المسألة الفلسطينية أن الطرفين الفلسطيني واليهودي، طغى عليهما في العقود الأخيرة البعد الديني المتطرف وانحسار القوى العلمانية لدى كليهما ما زاد في تعقيد المسألة وتراجع حلول معتدلة لها.
الحركة الفلسطينية بدورها ما كانت يومًا علمانية. قائدها لعقود كان مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني الذي درس العلوم الدينية في القاهرة على يد رشيد رضا وكان وثيق العلاقة بالكثير من قيادات الإخوان المسلمين بعد تأسيس الحركة عام 1928.
منطمة التحريير الفلسطينية لم تكن ظاهريًا حركة إسلامية لكن كل قياداتها كانوا من المسلمين وبعضهم من الغلاة. المسيحيون الفلسطينيون الذين شكلوا التنظيمات اليسارية لم يكن أي منهم ذا توجه ديني مسيحي حتى إن بعضهم، خاصة من الفتحاويين، شهروا إسلامهم بعد حين. صحيح أن الكثير من رجال الدين المسيحيين العرب أيّدوا علنًا القضية الفلسطينية لكن من تابع سيرتهم أدرك مقدار خيبة أملهم إذ تبيّن لهم دون استثناء أنهم ما كانوا سوى أداة استعان المسلمون بها لنصرة دينهم.
ما ضمرته "فتح" جهرت "حماس" به. المادة 5 من "ميثاق حماس" الصادر في العام 1988 تحت "بعدها المكاني": "حيثما وجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهج حياة لهم، في أي يقعة من بقاع الأرض، فهي بذلك تضرب في أعماق الأرض وتمتد لتعانق السماء".
هذا البعد الديني لدى الفريقين، وإن تفاوت بشكل كبير، يحول دون إجراء قياس بين القضاء على دول "المحور" في الحرب العالمية الثانية، وهزيمة "حماس" و"حزب الله" في الحرب الأخيرة.
نجاح المساعي الدبلوماسية، الأميركية خاصة، دونها صعاب. الكل يعلم، خاصة الأطراف المعنية، أن النظام الأميركي، ككل نظام ديمقراطي، وخلافًا للأنظمة السلطوية، ذات أجل محدود قانونيًا يتبدّل بتبدل من تولى الحكم، إضافة إلى مظاهر غير سليمة في الولايات المتحدة منها اغتيالات الرؤساء التي تكاد تماثل تراث العالم الثالث، إضافة إلى الانتخابات الفرعية كل سنتين وأثر تبدل الموازين على السياسة العامة. لا بد أيضًا من ذكر "الأمبيتشمنت" التي أدت إلى استقالة رؤساء .
فعنصر الوقت ليس في مصلحة أميركا بل يعمل لصالح أعدائها. وهو ما يدركه جيدًا جميع الأطراف. فلا يبقى للفريق الخاسر أو المحرج، إلا الصبر والخداع والوعود ونكثها، والانتظار.