مرّة جديدة تؤكّد بيروت موقعها في مجال السينما والثقافة والفنون، وهي تستعد لانطلاق الدَّورة 19 من "مهرجان بيروت الدَّولي للأفلام القصيرة" (Beirut Shorts) الذي ينظمه "مجتمع بيروت السينمائي"، ويرعى فعاليّاته وزير الثقافة غسان سلامة، بين 2 و 7 تشرين الثاني 2025 في "سينما متروبوليس"، مار مخايل، بيروت.
مؤسس ورئيس "مجتمع بيروت السينمائي" ومدير المهرجان سام لحود يشير إلى نكهة مختلفة تحملها كلّ دَورة من "Beirut Shorts". ويؤكّد في حديث لـ "نداء الوطن" أن برنامج المهرجان يتضمّن "أفلامًا لا تُعرض في أيّ مهرجان آخر"، معتبرًا أنّ المهرجان ليس مجرّد عرض للأفلام، بل مساحة لقاء، حوار، وفرص إنتاج جديدة.
مبادرة وفرص
دَورة هذا العام ستشهد إطلاق مبادرة نوعية بعنوان "أيام الصناعة – Industry Days"، بالإضافة إلى تعاون مع "مهرجان برلين السينمائي" من خلال عروض خاصة ضمن مسابقة "Berlinale Generations"، فضلًا عن لقاء مميّز مع عضو "أكاديميّة الأوسكار" جون كوري الذي سيُقدِّم حوارًا معمّقًا حول "الطريق إلى الأوسكار" وتجربة "الأكاديميّة" في اكتشاف الأفلام القصيرة المؤثرة عالميًا. يضيف لحود أن ثمّة "جلسات نقاش مع مبرمجي المهرجانات الدوليّة الذين سيكونون حاضرين في المهرجان الذي يُنظم أيضًا مسابقة لتمويل الأفلام القصيرة بمشاركة 12 صانع وصانعة أفلام، اختيروا من بين 43 متقدِّمًا، حيث سيُمنح فائزان مبلغ 5000 دولار أميركي لكلّ منهما كدعم لإنتاج فيلم قصير جديد، بالشراكة مع "Brookwood Capital Advisors".
وتتخلّل فعاليات "مهرجان بيروت الدَّولي للأفلام القصيرة" جلسات تواصل وورش عمل متخصِّصة تهدف إلى تطوير المهارات وبناء جسور تعاون بين صُناع الأفلام، حيث يؤكّد لحّود أن "المهرجان بات منصّة لتبادل الخبرات وإيجاد الفرص، إذ يساهم بشكل فعليّ في تعزيز صناعة الفيلم القصير في لبنان والمنطقة".
نحو "الأوسكار"
حول اعتماد مهرجان "Beirut Shorts" كحدث مؤهِّل لجائزة "الأوسكار"، يشرح سام لحّود أن هذه الخطوة "جاءت نتيجة عمل دؤوب وعلاقات دوليّة وثقة متراكمة"، مضيفًا: "قدّمنا طلبًا رسميًا يتضمن كلّ التفاصيل المطلوبة إلى "الأكاديميّة"، واستندنا أيضًا إلى شبكة علاقاتنا الشخصية مع مُديري مهرجانات عالمية كبرى. فملفنا المهنيّ وشراكاتنا مع مهرجانات مؤهِّلة، مثل برلين وكان وكليرمون - فيران، أكسبتنا ثقة كبيرة لدى "الأكاديميّة"، وعلى هذا الأساس جرى قبول "Beirut Shorts" كمؤهِّل رسميّ لـ "جوائز الأوسكار"".
الجوائز التي يمنحها المهرجان، متعددة وذات رمزيّة خاصة، إذ ستُمنح جائزة بقيمة 1000 دولار لأفضل فيلم لبناني وأفضل فيلم أجنبي ضمن المسابقة الرسمية، إضافة إلى "جائزة سباركس" لأفلام طلاب التخرّج بقيمة 500 دولار، و"جائزة سيدز" المخصّصة للطلاب الجامعيين بقيمة مماثلة. كذلك "جائزة الأرض، السلام والعدالة" بقيمة 500 دولار، فضلًا عن "جائزة الجمهور" وهي بطاقة سفر إلى "مهرجان كليرمون - فيران" في فرنسا.
بدايات وجهود
يستعيد سام لحّود في حديثه معنا بدايات المهرجان، فيروي أن الانطلاقة كانت "من جامعة سيّدة اللويزة - NDU عام 2007، بناءً على اقتراحٍ تقدَّمتُ به لتأسيس "مهرجان لسينما الطلاب". بدأنا بأفلام لبنانية طالبيّة، وبعد عام فقط استقبلنا مشاركات من خارج لبنان. ومع الوقت، تطوّر ليصبح مهرجانًا عالميًا للأفلام القصيرة". ويتابع: "خلال عامَي 2020 و 2019 توقف تنظيم المهرجان في الجامعة بسبب الأزمة، فقرّرنا كمؤسِّسين الاستمرار بهويّة جديدة تحت اسم "Beirut Shorts"، مع الحفاظ على التعاون مع الجامعة الأم وجميع الجامعات اللبنانية الأخرى. وبفضل جهودنا المشتركة مع زميلَيّ، نيكولا خباز المؤسِّس المشارك ومدير البرنامج، ودورِس سابا المديرة التنفيذية لـ "مجتمع بيروت السينمائي"، استطعنا بناء شبكة دولية واسعة امتدت عبر القارات، وجعلت من "Beirut Shorts" مهرجانًا مؤثرًا ومعترفًا به عالميًا".
دَور بيروت
يوضح لحّود أبرز عناصر التميّز في المهرجان، وهي "تنوُّع لجان التحكيم واحترافيّتها. فاللجنة الدّولية للأفلام تضمّ رئيسها السينمائي اللبناني جورج شقير، وأربعة مديري برامج من مهرجانات برلين ولوكارنو وترييستي وغلاسكو، ما يضيف مصداقية عالية للمسابقة ويفتح أمام المشاركين فرصًا للعرض في مهرجانات أخرى. أما "لجنة الأرض، السلام والعدالة"، فتعتمد معايير مختلفة وتضمّ شخصيات ثقافية وسياسية واجتماعية من خارج المجال السينمائي، بينهم الوزير السابق زياد مكاري، والصحافيات كريستينا عاصي، ريما كركي، لانا مدور، والإعلاميّ زافين قيومجيان. هذه اللجنة تقيّم الأفلام من خلال نظرتها إلى قضايا الأرض والسلام والعدالة في العالم، وتمنح جائزة خاصة تعبّر عن رؤيتها".
وعن موقع بيروت ودورها في السينما، يقول لحّود إنها "تبقى في قلب كلّ فنان لبناني، فهي السبّاقة في خلق الاتجاهات والأفكار، مدينة الحرية التي تكتب وتنشر وتعيد تعريف المفاهيم، رغم أوجاعها والمؤامرات التي تطولها". ويلفت إلى أن "الدَّورة العشرين للمهرجان ستكون احتفالًا يوبيليًّا كبيرًا يتضمن تكريم شخصية لبنانية رائدة وإطلاق مبادرات جديدة".
تحديات كبيرة
"السينما اللبنانية المستقلّة تواجه تحدّيات كبيرة أوّلها التمويل" يقول سام لحّود، "ثمّ غياب السياسات الثقافية الواضحة، فالتوزيع. وهذه القضايا مترابطة ومؤثرة في استدامة القطاع". ويشير إلى أن وزارة الثقافة لا تزال تؤدّي دور الراعي فقط، من دون أن تطلق سياسات حقيقية لحماية القطاع أو تطويره. ذلك أنّ "العمل الثقافيّ هو صناعة، ووزارة الصناعة لها دور فيه، كما أن وزارات الاقتصاد والخارجية والمالية والعمل والتربية كلّها معنيّة في هذه المنظومة. الثقافة استثمار وتبادل وتعليم وتنظيم، لكنها حتى اليوم غائبة عن رؤية الدولة. الوزارات لا تعرف أدوارها، ولا شراكة حقيقية بين القطاعَين العام والخاص". ويلفت لحّود إلى أن الثقافة لو أُديرت في بلدنا بوعي، لأمكن أن تصل مساهمتها إلى 10 % من الناتج المحلي، فيما قطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وحده قادر على تحقيق 8 %. لكن، بحسب لحّود، غياب الوعي والإرادة يعيق ذلك، والبنية البيروقراطية والسياسية والطائفية تخنق أي مبادرة. ويتابع مشيرًا إلى أن "المهرجان يساهم بحبّة رمل في هذا البحر الكبير، عبر تسليط الضوء على الصناعات الثقافية، والمساهمة في صياغة السياسات، وخلق الحاجة التي تدفع المجتمع المدني والقطاعَين العام والخاص إلى التفاعل"، معتبرًا أن "مهرجان بيروت الدَّولي للأفلام القصيرة" أصبح محطة أساسية لانطلاق الأفلام القصيرة اللبنانية والعربية نحو المنصّات الدولية، إذ يتيح للشباب عرض أعمالهم، والحوار حولها، والتنافس بطريقة صحية، ما يفتح أمامهم آفاقًا أوسع.
ويختم مؤسس ورئيس "مجتمع بيروت السينمائي" ومدير مهرجان "Beirut Shorts" سام لحّود حديثه بدعوة صُناع الأفلام اللبنانيين إلى "العمل على تثقيف أنفسهم ومعرفة ما أُنجز قبلهم، والتفاعل مع الأجيال السابقة. عليهم تقوية أدواتهم الفنيّة والتقنيّة والثقافيّة، وأن يرووا القصص التي يشعرون بالحاجة إلى قولها، بعيدًا من التقليد والتكرار. كما أن الإصغاء ومشاهدة أعمال بعضهم البعض هما الطريق للنمو الجماعي. فلبنان بلد صغير لكن ثقافته كبيرة، وطاقاته قادرة على إدهاش العالم إذا وُجدت البيئة التي تمنحها الدعم والاعتراف".
لمزيد من التفاصيل حول فعاليات المهرجان والعروض: www.beirutshorts.com .
