هل تمتلك الإيديولوجيات تاريخ انتهاء صلاحية؟ هذا السؤال يفرض نفسه عند تأمل مسيرة حزب الله في لبنان، فهذه الجماعة التي وُلدت من رحم الثورة الإسلامية في إيران قبل أكثر من أربعة عقود لا تزال تستمد زخمها من عقيدة لم تهتز رغم كل الاستهدافات وخنق شرايين الأوكسجين والدماء. منذ مطلع الثمانينات، حمل الحزب على عاتقه تعزيز أيديولوجيا الخميني وولاية الفقيه، ساعياً إلى إقامة جمهورية إسلامية على الطريقة الإيرانية في لبنان. ورغم التحولات الجذرية التي شهدها العالم والمنطقة منذ ذلك الحين، يبدو أن تلك العقيدة بقيت عصيّة على التراجع. لقد تبدّلت حقبات وانتهت حرب باردة وتراجعت إيديولوجيات قومية ويسارية لطالما هيمنت على المنطقة، لكن نهج حزب الله العقائدي ما زال حاضراً بقوة، كأنه خارج إطار الزمن والتغيير.
لم يكن ذلك نتيجة الصدفة. فالإيديولوجيا المترسخة تغذّت على عوامل عدة: شعور تاريخي بالتهميش داخل الطائفة الشيعية قبل الحرب اللبنانية في 1975، فجاء مشروع "المقاومة الإسلامية" ليوفر لها قضية مركزية وهوية نضالية. استفاد الحزب من الدعم الإيراني المفتوح مالياً وعسكرياً، ما ضمن استمرارية مؤسساته الدعوية والتربوية والإعلامية التي كرّست عقيدة الممانعة. أجيال من اللبنانيين الشيعة نشأت في كنف هذه المنظومة الفكرية التي تقدّم مشروع "المقاومة" ضد إسرائيل ومواجهة "الاستكبار" الغربي كقدر تاريخي ومهمة جماعية مقدسة. ومع كل انتصار عسكري أو انسحاب إسرائيلي، من منظورهم، كتحرير الجنوب عام 2000 إلى صدّ الاجتياح في 2006، كانت سردية الحزب تعمّق جذورها، مؤكدة لجمهوره أن خيار المقاومة المسلّحة هو الذي يحمي وجودهم وكرامتهم. هكذا ترسّخت القناعة بأن سلاح حزب الله ليس مجرد عُدّة شغل آنية، بل تعبير عن عقيدة راسخة ممتدة من طهران إلى الضاحية الجنوبية.
مع مرور الوقت، تحوّلت معادلة الدولة والدويلة في لبنان إلى أمر واقع: دولة عاجزة ودويلة يمتلكها الحزب ويمسك بقرارها الاستراتيجي. فبعد اتفاق الطائف عام 1989، كان يُؤمّل أن تؤسَّس الجمهورية الثانية على مبدأ حصر السلاح بيد الشرعية وإنهاء ميليشيات الحرب. لكن حزب الله استُثني بحجة المقاومة، فتحوّل تدريجياً إلى كيان سياسي عسكري موازٍ يأتمر عقائدياً بقرار الولي الفقيه في إيران. وسرعان ما ظهر أن الدولة اللبنانية أصبحت رهينة توازن قوى مختل: حكومة وبرلمان ورئاسة تُدار تحت تهديد فائض قوة يمتلكه طرف واحد، فدفع لبنان أثماناً باهظة لهذا الخلل. فقد غاب دور رئيس الدولة لفترات طويلة، وشُلّت تشكيلات حكومية مراراً تحت وطأة عراقيل الحزب في حال لم تمتثل القوى السياسية لشروطه. وأصبح أي قرار، سياسي خارجي وداخلي، مثلاً ضبط المعابر الحدودية، مرهوناً بموافقة الدويلة التي بناها الحزب داخل الدولة.
على الأرض، ترتّب على هذا الواقع تصدّع في علاقات لبنان الخارجية وانهيار اقتصادي غير مسبوق. كيف لبلد صغير أن يستعيد ثقة شركائه العرب ودعم حلفائه الغربيين وهو مرتهن لمحور إقليمي تقوده إيران؟ لقد شهدنا عدة مرّات كيف انفجرت أزمات دبلوماسية مع دول الخليج بسبب مواقف تبناها وزراء محسوبون على حزب الله تهاجمهم وتهددهم. فوجد لبنان نفسه معزولاً ومحروماً من دعم مالي كان بأمسّ الحاجة إليه، لا لسبب إلا أنه وقع في فخ صراع إيران مع محيطها العربي. كذلك الأمر مع الدول الغربية: فمنذ سنوات والمجتمع الدولي يشترط تنفيذ إصلاحات وضبط سلاح حزب الله للحصول على أي حزمة إنقاذ مالية. لكن الإصلاحات الجوهرية تعرقلت حين اصطدمت بشبكة مصالح تحميها قوة حزب الله ونفوذه في مفاصل الدولة. النتيجة أن الاقتصاد مستمر بالانهيار، وغرق اللبنانيون في مستنقع إحباط بينما دويلة الحزب بمنأى عن المحاسبة.
داخلياً، تحوّل السلاح إلى أداة ترهيب سياسي أفرغ العملية الديمقراطية من معناها. في انتخابات 2022 وثّقت جمعيات المراقبة حالات ترهيب وتهديد للمرشحين المستقلين واللوائح المعارضة في مناطق نفوذ الحزب. ليس مستغرباً أن يحتكر الثنائي الشيعي جميع مقاعد طائفته البرلمانية منذ سنوات بلا منافسة فعلية، فأي منافس شيعي يجرؤ، في ظل هيمنة السلاح غير الشرعي، على رفع الصوت؟ هكذا صار التمثيل السياسي مشوّهاً، إذ لم تعد صناديق الاقتراع تعكس إرادة الناس بل واقع القوة المفروض مسبقاً، وفي المؤسسات، عقلية الغلبة التي يفرضها حزب الله جعلت مبدأ المساءلة ضرباً من الخيال. فكما الانتخابات كما في الإدارة أيضاً، فمن يجرؤ على استجواب مسؤولي الحزب في قضايا أمنية أو مالية؟ حتى كارثة انفجار مرفأ بيروت، حين حاول القاضي طارق البيطار كشف الحقيقة، واجهه رئيس وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا بتهديد صريح وتجييش في الشارع لمنعه من المضي بتحقيقاته لأنها اقتربت من منطقة محرّمة.
كل ذلك كرّس في الوعي العام حقيقة: نحن أمام إيديولوجيا لا تنفك تنتج قوتها الذاتية وتحمي نفسها بمنطق "الثورة الدائمة". فالحزب الذي نشأ في زمن الحرب وجد لنفسه أدواراً جديدة كلما تبدّلت الظروف. انسحب الإسرائيلي عام 2000 فبدأ الحديث عن مزارع شبعا والمشروع الأميركي وضرورة الاحتفاظ بالسلاح. خرج الجيش السوري عام 2005 فضاعف الحزب تشبّثه بخطاب حماية المقاومة. اندلعت حرب سوريا عام 2011 فاندفع الحزب للقتال داخل سوريا بذريعة حماية ظهر المقاومة ومحاربة التكفيريين. وفي عام 2023 اشتعلت غزة، فما كان منه إلا أن يفتح جبهة الجنوب اللبناني "مساندة" لحماس دون أي تفويض من الدولة اللبنانية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى لبنانيين وتهجير القرى الجنوبية الحدودية بأكملها تحت القصف. هذه سلسلة متصلة من المعارك التي يوظّفها الحزب لإبقاء شعلة عقيدته مشتعلة وشارعه مشحوناً تعبئةً واستنفاراً. إنه نهج العقيدة التي لا تهدأ، في فهمهم، إذ يعتبرون كل حقبة فرصة جديدة لتأكيد صوابية هذه الإيديولوجيا بدل أن تكون مناسبة لمراجعة الذات. فمتى وكيف يمكن أن تنتهي مفعولية هكذا إيديولوجيا؟
يصل اللبنانيين اليوم إلى خلاصة: هذه الإيديولوجيا قد لا تنتهي في عصرنا. حزب الله لن يتخلى طوعاً عن سلاحه "المقدس" لأنه صميم شرعيته العقائدية. وإيران لن تتخلى عن ورقتها الثمينة في لبنان ما دام نظام الملالي قائماً وطموحاته الإقليمية مستمرة. وجمهور الحزب، وإن أضناه الفقر والعزلة والدمار، يبقى في معظمه متمسكاً بخطابه خشية العودة إلى "عصور التهميش" أو تحت وطأة التهديد المذهبي المتبادل. في المقابل، بقية اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين ودروز، يشعرون أن بلدهم مخطوف بلا أفق، وأنهم يدورون في حلقة مفرغة: لا القدرة على مواجهة سلاح الحزب عسكرياً، ولا قابلية للرضوخ لدكتاتورية أمر واقع على المدى الطويل. هذا الاستعصاء الوجودي بدأ يدفع كثيرين للتفكير في خيارات خارج الصندوق، فعاد إلى الواجهة طرح الفدرالية أو الكونفدرالية كحلٍّ أخير لتجنب انفجار شامل.
الكونفدرالية تعني ببساطة الاعتراف بأننا شعوب أو جماعات مختلفة في توجهاتها واستراتيجياتها، تجمعها أرض واحدة ولكن يصعب أن يجمعها قرار سياسي مركزي موحّد. قد يكون في ذلك ما يشبه إعلان فشل الصيغة اللبنانية الحالية، لكنه قد يكون أيضاً فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العيش بأشكال موضوعية جديدة. فبدلاً من الصدام المستمر بين مشروع ولاية الفقيه والمشاريع الأخرى في المنطقة، يمكن تصور إطار كونفدرالي يُمنح فيه لكل مكوّن لبناني مساحة لإدارة شؤونه الحيوية بمعزل عن الآخر. هكذا، تتمتع الكانتونات بقدر كبير من الاستقلال في القضايا الخلافية: الإقليم الذي يختار المقاومة ونهج الممانعة يمكنه الاحتفاظ بسلاحه ضمن نطاقه وتحمل تبعات خياراته بمعزل عن الآخرين، والإقليم الذي يختار الحياد والازدهار الاقتصادي ينفتح على العالم من دون أن تُفرض عليه عقوبات أو حروب بالوكالة. قد يبدو هذا التصور طوباوياً أو ساذجاً أو صعب التطبيق، لكنه بات مادة نقاش في الأوساط السياسية. حتى أن بعض السياسيين الذين كانوا حتى الأمس القريب وحدويين أصبحوا اليوم ضمنياً يفكرون بالتقسيم المقنّع على انه الحل الأمثل. قبل سنوات قليلة فقط، كانت دعوات كهذه تُعدّ هرطقة وخيانة للوطن؛ أما اليوم فباتت تعكس يأس شريحة واسعة من اللبنانيين من إمكانية إصلاح الخلل جذرياً ضمن إطار الدولة المركزية الحالية.
إن النظام الكونفدرالي ليس نزهة سهلة بالتأكيد، وقد يحمل في طياته تعقيدات دستورية وربما مخاطر جديدة. لكنه على الأقل يطرح معادلة مختلفة عن حروب عبثية أو شلل مستدام. فهو اعتراف واقعي بأن “لبنان الرسالة” الذي حلمنا به، وطن مختلف الطوائف موحّد القرار والسلاح، تعذّر تحقيقه في ظل هيمنة إيديولوجيات عابرة للحدود. وإذا كان البديل عن الكونفدرالية هو استمرار الانهيار والاحتقان وصولاً ربما إلى صدام دموي على غرار حرب أهلية جديدة، فإن الحكمة تقتضي طرق باب تغيير النظام بدلاً من انتظار المستحيل. لقد أثبتت العقود الماضية أن لا شيء يردع حزب الله عن مشروعه: لا التوازنات الداخلية، ولا المناشدات، ولا حتى الانهيار المالي الذي أصاب بيئته كما أصاب الآخرين. فالحزب مستعد أن يعيش وسط الركام وأن يُبقي لبنان كله رهينة خياراته، شرط ألا يتخلى عن سلاحه وعن دوره الذي يعتبره مقدّراً إلهياً. في المقابل، باقي اللبنانيين ليسوا مستعدين أن يصبحوا شهداء عقيدة لا يؤمنون بها ولا أن يعيشوا أبد الدهر في ظل دويلة لا تمثلهم. إذاً، يبدو الطلاق عبر الكونفدرالية حلاً أقل سوءاً من هذا الزواج الذي تحوّل جحيماً. قد تكون الكونفدرالية الخيار المرّ، لكنها قد تفسح المجال لكل طرف أن يحيا وفق قناعاته ومنظومته، من دون فرض أو استقواء بالسلاح.
مفعول إيديولوجيا حزب الله لن يزول قريباً، إنها باقية ما بقيت منابعها الإقليمية ومنافعها المحلية، وإذا كان تغييرها مستعصياً، فتغيير النظام اللبناني نفسه يصبح الحل لاحتواء تداعياتها. الكونفدرالية ليست شعاراً يُرفع ابتهاجاً، بل خيار حقيقي، علمي، سياسي وواقعي. فالاعتراف بالفشل خير من الإنكار حتى الموت، فنحن شعوب ومكونات مختلفة ضمن دولة ونظام عقيم. وإذا كان هذا التوصيف صادماً، فهو أقل وقعاً من واقع الاقتتال أو الاستسلام. هكذا، قد يكون الحل الكونفدرالي الباب المتبقي لضمان الاستقرار والازدهار، بحيث يعيش جمهور حزب الله في إطار رؤيته ومنطقته، ويعيش سواه وفق رؤية مغايرة، تحت مظلة اتفاق تعايش جديد. ففي زمن الإيديولوجيات الخالدة، قد يصبح المطلوب إيجاد أوعية سياسية مرنة تتسع للتناقضات بدلاً من تدمير الذات في صراع لا نهاية له. إذاً، الكونفدرالية اللبنانية ستكون التسوية التاريخية الضرورية في وجه إيديولوجيا تأبى أن تنتهي.