ايلي الياس

لبنان دولة فاشلة

3 دقائق للقراءة

منذ أن تبلورت فكرة لبنان في القرن التاسع عشر، وُلد الكيان وهو محاطٌ بالريبة. لم يكن لبنان مشروع حدودٍ أو مصالح موقتة، بل فكرة فلسفية - سياسية أرادت أن تُقيم نموذجًا للحرية والتنوّع والكرامة في قلب الشرق. كان نقيضًا لما حوله: ضدّ السلطوية، وضدّ الشمولية، وضدّ احتكار الحقيقة باسم الدين أو العروبة أو الحزب. لذلك لم يُغفر له أنه مختلف.

منذ المتصرّفية عام 1861، مرورًا بإعلان لبنان الكبير عام 1920، كان هذا البلد يُطلّ على محيطٍ غارقٍ في الأحادية من نافذةٍ صغيرة على العالم. انفتح على الحداثة، على الجامعة، على الفكر، على الفن والنهضة، فكان "الفسحة المضيئة" كما وصفها أنطوان الدويهي، في مشرقٍ يحكمه القمع والتعبئة والعسكر. ومع كلّ خطوةٍ كان لبنان يدفع ثمن جرأته: مرّةً باسم "الحرمان"، ومرة باسم "الانعزالية"، ومرّةً باسم "العمالة"، ومرّةً أخرى باسم "الاستعمار". كان المطلوب أن يشبه محيطه كي يُقبل، أن يتنازل عن حريّته كي يبقى.

هذا العداء للفكرة اللبنانية ليس جديدًا. هو خيطٌ متواصل منذ أكثر من قرن: كلّ مرّةٍ يُحاول لبنان فيها أن يكون دولةً حقيقية، تُستدرَج إليه حروب الآخرين. من البندقية الفلسطينية عام 1969، إلى الوصاية السورية، إلى هيمنة السلاح الإيراني اليوم، بقي الجوهر واحدًا: منع قيام دولةٍ سيدةٍ كاملة القرار. وكلّ مرّةٍ يتواطأ جزءٌ من الداخل مع الخارج، خوفًا أو طمعًا، فيتحوّل الكيان إلى ساحةٍ بدلًا من أن يكون وطنًا.

اليوم نعيش ذروة هذا الخطر الوجوديّ. فحين يعلن مبعوثٌ دولي أن لبنان "دولة فاشلة"، وحين تصبح موازنات "الحزب" المسلّح أكبر من موازنة الجيش، وحين تُدار الحدود بالتهديد لا بالقانون، نكون أمام انهيارٍ في تعريف الدولة نفسها. الفشل هنا ليس اقتصاديًا ولا مؤسّساتيًا فقط، بل هو فشل في الإرادة الوطنية. لأن جوهر الفشل هو أن الطبقة الحاكمة لم تحسم خيارها بعد: هل تريد لبنان الدولة أم لبنان الورقة؟ لبنان السيادة أم لبنان الوظيفة؟

القضية لم تعد بين موالاةٍ ومعارضة، بل بين من يؤمن بأن لبنان يستحق أن يبقى مختلفًا، ومن يريد طمسه ليصبح صورةً باهتة من محيطٍ فاقدٍ روحه. لم يعد الانقسام سياسيًا بل وجوديًا: إمّا أن نحسم انتماءنا إلى مشروع الدولة التي تحتكر السلاح والقرار، أو نُسلّم بأن هذا الوطن انتهى كفكرة. فالمعادلة باتت واضحة: إمّا الدولة أو الساحة، إمّا الجيش أو الميليشيا، إمّا السيادة أو الذوبان.

إن مسؤولية الإنقاذ لم تعد نظريّة. فالخطر الوجوديّ ليس في الخارج بل في داخل السلطة التي تُدير الفشل كما لو أنه قدر. هذه الطبقة لا تزال تراهن على الوقت وعلى المساومات، كأن انهيار الدولة قابلٌ للتأجيل. لكنها تتناسى أن الوقت، حين يُستنزف الوطن، يتحوّل إلى سلاحٍ قاتل.

لبنان اليوم عند الحدّ الأخير من قدرته على الاحتمال. إمّا أن يُستعاد المشروع الذي وُلد لأجله عام 1920، مشروع الدولة السيدة الحرّة المستقلة، وإمّا أن يُغلق القوس التاريخي الذي فُتح منذ قرن ويُدفن معه أحد أجرأ أحلام المشرق. فالذين أرادوا إلغاءه لم ينتصروا بعد، لكن الذين يُفترض أن يدافعوا عنه لم يقرّروا بعد أنهم في معركة وجود.