فيليب عادل حنين

وهم الخلاص العسكري: إلى الطبقة الحاكمة وإلى من يدّعي بناء الدولة

5 دقائق للقراءة

في كل مرة يختنق لبنان ويغرق في الانهيار، ينبثق من الركام اسم قائد الجيش.  يتعلّق به اللبنانيون كما يتعلّق الغريق بخشبة خلاص، يأملون أن يكون المختلف، "الرجل الذي يعيد للدولة هيبتها".  لكن حين يدخل قصر بعبدا، يبتلعه الظلام نفسه.

في لبنان، يتبدّل الحارس، لكن السجن يبقى نفسه.  فهل الجيش هو من يحكم، أم أن من يحكم يستخدم الجيش ليُعيد إنتاج حكمه؟

 

منذ الاستقلال، كل أزمة أو فراغ سياسي تدفع الطبقة الحاكمة لاختيار قائد الجيش "توافقياً": فؤاد شهاب بعد صراع المحاور، إميل لحود بإيعاز سوري "للانضباط"، ميشال سليمان بعد الدوحة، وميشال عون الذي حوّل رمزية السيادة إلى غطاء طائفي.  واليوم يُقدَّم جوزف عون كآخر مظاهر "الاستقرار" في بلدٍ ينهار.

 

هذه الدورة ليست من صنع الجيش، بل من ابتكار النظام نفسه.   فالطبقة السياسية، كلّما انهارت شرعيتها، استعارت من الجيش ما تبقّى من هيبة لتُعيد تدوير سلطتها.   في لبنان، تُستبدل الأنظمة بالرموز، وكلّ أزمة تولّد بطلاً، وكلّ بطلٍ يُستنزف حتى يصبح جزءاً من اللعبة.

 

وللحظة، بدا للبنانيين أن الجمهورية استعادت أنفاسها، وأن في الدولة قلباً ينبض من جديد.  أعاد الخطاب شيئاً من الكرامة والإيمان بإمكانية التغيير داخل الإطار القائم.   لكنّ هذا الإطار نفسه كان السجن، لأنّ وهم الاستقرار هو الأوكسجين الذي يتنفّسه النظام ليبقى حيّاً.  وهكذا تحوّلت ثقة الناس إلى تخدير لا إلى تغيير.

 

الجيش آخر ما تبقّى من الدولة، والمؤسّسة الوحيدة التي ما زالت توحي بالثقة.   لكنّ السياسيين جعلوا منه ستاراً يختبئون خلفه لشراء الوقت وإقناع الخارج بأن الدولة ما زالت حيّة.  في الواقع، ما يعيش ليس الدولة، بل نظامٌ يتغذّى على انهيارها ويُجمّل موته بلباسٍ رسميّ. وهكذا يصبح القائد واجهةً للنظام نفسه، يَحكم باسمه لا عليه، ويُطمئن الخارج لا المواطن.   فالجيش لا يوجّه السياسة، بل تُوجّه السياسة الجيش نحو الرئاسة لتستمرّ في حكمها.   وكما قال أحد الدبلوماسيين: "يُستدعى الجيش دائماً لإنقاذ لبنان... لكنه لا يُسمح له بتغييره."

 

أنقذ جوزف عون المؤسسة من الانهيار، لكنه لم ينقذ الجمهورية من الموت البطيء بعد.  فضيلته أنه لم يورّط الجيش في الصراع الداخلي، وخطيئته أنه لم يجرؤ على كسر دائرة الصمت.   فمن يستطيع أن يثور في نظام يكافئ الصمت ويعاقب الصدق؟  في لبنان، تُستَخدم حتى النوايا الطيبة لضبط الناس لا لتحريرهم.

 

فكلّ هذه التحديات والهواجس، ومعها ثقل الأسئلة المعلّقة حول دور المؤسسة وحدودها، تقع أيضاً على كتف الرئيس جوزف عون.   وعليه أن يأخذها في عين الاعتبار، بالقدر نفسه من الحذر والمسؤولية اللذين أبداهما في تجنّب تصادم الجيش مع الحزب، خشية انزلاق البلاد إلى حربٍ أهلية جديدة.

 

هكذا تحوّل البلد إلى نموذجٍ للفشل المنظّم، يُدار ليمنع الانفجار لا ليصنع التغيير، وليحفظ التوازن الفاسد باسم الاستقرار.

والأخطر أنّ هذا النظام لم يعد مجرّد مجموعة زعامات طائفية، بل أصبح شبكةً متكاملة تُحكَم من الداخل بالسلاح، ومن الخارج بالصفقات.  فـ"حزب الله" هو الامتداد العسكري الأحدث لهذه المنظومة، يتقن السيطرة باسم المقاومة، ويمسك بمفاصل الدولة كما أمسكت المافيات من قبله بالمال والقرار.  أصبح جزأً من النخبة التي تتقاسم الفساد وتتحصّن بشعارات السيادة والمظلومية، تُخضع الدولة لسلاحها والناس للخوف واليأس.  إنه لا يُعارض الطبقة الفاسدة، بل يحميها ويشاركها.  يكمّلها، لا يكسرها.

 

إلى الطبقة السياسية كلّها، ومن بينهم من يختبئون خلف عباءة "المقاومة" : إذا كنتم صادقين في بناء وطنٍ يعلو على الزعامات، فماذا أنتم مستعدّون للتضحية به؟  هل أنتم مستعدّون للتنازل عن امتيازاتكم وسلاحكم وسطوتكم على القضاء والإعلام؟  أم أن "تضحيتكم" تعني دائماً أن يدفع الآخر الثمن: الفقير، أو الجندي، أو الشهيد؟

 

أما إلى الرئيس الحالي، الذي يملك اليوم فرصة أن يكتب اسمه في تاريخ الجمهورية لا في سجلّ من سبقوه، فالكلمة هذه المرة ليست من خصومك، بل من اللبنانيين الصامتين الذين ما زالوا يريدون أن يؤمنوا بالدولة.  هل تملك استراتيجية لمواجهة خطر الحرب المتجددة و خطر افشال الإصلاح الحقيقي؟  هل مستعد أن تحمي المؤسّسة من التوظيف السياسي دون أن تزجّ بها في صراع داخلي، وأن تصطدم بمراكز النفوذ التي تخفي فسادها وسلاحها وراء شعار الاستقرار؟

 

حماية المؤسسة العسكرية لا تعني حماية النظام الفاسد، والحفاظ على الهدوء لا يعني دفن الحقيقة.  فلبنان لن ينهض بخطابات تُخدِّر، بل بقرارات تُزلزِل. فالوطن لا يُبنى ببدلةٍ عسكرية، بل بإرادةٍ مدنية صادقة تعرف أن الشجاعة ليست في حمل السلاح، بل في حمل الحقيقة.

 

أما نحن، الأكثرية الصامتة، لم نعد نحلم بالكثير.  كلّ ما نريده هو أن نعيش ما تبقّى من أعمارنا بكرامة، في أيام عادية لا يُهدّدها الفساد ولا يُدنّسها الخوف.  فلا تُخيّبونا مرّة أخرى، ولا تحرمونا ما تبقّى من هذا الوطن ومن أنفسنا.