في صباح خريفي، تذيع مكبرات صوت سيارة دفن الموتى في جبل محسن نعوة شخص وافته المنية والمشترك في كل النعوات عبارة عموم عائلة فلان "في لبنان والمهجر". يتجلى المهجر كظلٍ يرافق الأحياء والأموات، يقتحم حتى أخص تفاصيل الحداد، فلا فراق بلا ذكر المهجر، ولا وجهة نهائية إلا تحت شجرة الزنزلخت (الآكاسيا) في "مقبرة الشهداء". من خلف زجاج سيارة دفن الموتى تتبدل الوجوه والأسماء والشهداء هم المسار والمصير.
للشهداء في الوعي الجمعي فضل يتجاوز حسابات المعركة فقدسية الشهادة تتجاوز مدلول الراية الضيِّق إلى عظمة التضحية والفداء، فيحلو لكل متسلق على جبال التضحيات الجسام أن يستحضر الشهيد ليحصِّن موقفًا سياسيًا من هنا أو توترًا من هناك، فيستلهم من شقائق النعمان حصانة يصرفها في بازار المصالح، ليتم تصنيم الراية وتقديس المراكز وتحقيق المصالح بعبارات جوفاء وشعارات خاوية فيعيدنا ذلك الذي يعتلي المنابر في لبنان والمهجر، إلى ما قبل التاريخ الجلي ومزاعم لا أصل لها وحكايات على نسق عنتريات الزناتي خليفة في تغريبة بني هلال: أكاذيب قصيرة! يعرضها وينحني أمام جمهوره الافتراضي.
بين لبنان والمهجر يتمزّق المواطن بين انتماءين لا يجمع بينهما إلا حلم العودة إلى شجرة الآكاسيا، معظم الحالمين يحرمون من الدفن في مسقط رؤوسهم، أما مغتصب المنبر فيُهرِف بقضايا لا يفقه منها سوى ما أملاه عليه ولي أمره في المكتب السياسي.
المغترب في المخيال اللبناني حوالة تصل آخر الشهر، أو ورقة دعوة تضمها لملف التأشيرة. المغترب من لحظة إقلاعه تسقط عنه الإنسانية ويتحول سند سحب، لا يتذكره المقيم إلا عند الحاجة، ففي المُغتَرِب تتوفر قرينة الملاءة ويصرف غب الطلب وإلا كان شيكًا مرتجعًا لعدم كفاية المؤونة. نظرية المغترب "سند السحب" تمتد لتطال كافة المسائل الأخرى، فليس للمغترب الفقير صوت وإذا لم يتمكن من سداد ألوف الدولارات وتمضية الأيام في سداد الفواتير المضاعفة على أرض الوطن يتعثر صوته على عتبة صندوق الاقتراع، ففي العام 2022 جاء اسم صديقي الدكتور أحمد المغترب العلوي المقيم في باريس لينتخب في بروكسل، أخطاء في ظاهرها بريئة لكنها استهدفت شريحة دون سواها.
في دهاليز الزمن اللبناني، عرفت الطائفة الإسلامية العلوية ما عُرف بـ"حقبة الكراكيب". تلك المرحلة التي جسّدت فيها الطائفة محنة المواطنة؛ إذ تكدست الأهداف الصغيرة فوق القضايا الكبيرة، وازدحمت الأعباء في النفوس: بحث عن الأمان، صراع على الهوية، وتنافس على الحضور في ساحة سياسية ضاقت بأبنائها. فلم تكن الكراكيب خراب أشياء، بل خراب انتماءات وفكر وهوية.
في تلك الحقبة، أصبح المهجر حلمًا يخنق أبناء الطائفة، فهو حبل النجاة ومشنقة المنفى، حين ضاقت فرص مجتمع عاجز عن منح حتى فتات الكرامة. هجرتهم لم تكن ترفًا بل ضرورة وجودية تفرضها الحاجة للنجاة من عتمة الكراكيب، حيث المواطنة ليست معطى، بل معركة يومية ضد القهر والتهميش.
تُعيد الهجرة رسم ملامح الهوية العلوية، فتصير المواطنة انتماءً مجازيًا معلقًا بين وطنين. تتوزع العائلات بين بلد المنشأ وبلد الإقامة، وتصير اللقاءات أحداثًا استثنائية في أعراس ونعوات. وتبقى الأسئلة نفسها بلا إجابة: ما معنى أن أكون علويًا لبنانيًا في البرازيل أو فرنسا؟ هل المواطنة امتياز وراثي أم عقد اجتماعي متجدد؟ وهل غربتي في المهجر تختلف عن غربتي على أرض الوطن؟
في حارة المشارقة في جبل محسن، حيث تتناقل الأجيال ذاكرة اللجوء القسري، ويتقاسمون اليوم مع اللاجئين الجدد الخبز والماء، تلتصق البيوت المتعبة ببعضها، وتغفو الأحلام على شرفات الإسمنت البارد، وتكبر المواطنة مع أخبار السبي والقتل والتنكيل والمجازر كمحنة لا كحق. هنا، في هذه الحارة المنسية من ذاكرة الأيام، تمر سيارة دفن الموتى، تلك التي يقودها ماجد، مع أخبار الإبادات الجماعية وخطف الأطفال وقتل المدرسين، مع إشاعات يطلقها منبر الزناتي خليفة عن تربص ومخاطر، فيصير مشهد ماجد وسيارته علامة فارقة في سردية الانتماء: صوتٌ يُذاع من مكبر الصوت المثبت على سقف السيارة، يُسمع في كل الأزقة، يُذكِّر الناس بأن أحدهم رحل، وأن الوطن لم يتغير، وشجرة زنزلخت المقبرة هي وجهة اللقاء.
في "حقبة الكراكيب" التي عاشها أبناء "الطائفة العلوية"، لم تكن الفوضى مجرد أشياء متراكمة، بل كانت فوضى في الروح، في الانتماء، في محاولة التشبث بجذر فاسد يوشك أن يقلع. كان البحث عن الأمان في وطن يضيق بأبنائه يشبه رحلة ماجد وراء جثمان جديد، وجهته واحدة، لكن الدرب دائمًا أطول مما يجب.
الهجرة، في جبل محسن، ليست قرارًا فرديًا أو مغامرة، إنها صرخة قديمة تتردد بين جدران البيوت: هنا المواطنة ظلال تتكسر مع كل صباح جديد. يفتح المَهْجَر آفاقًا من الخبز والأمان، لكنه يبعثر المجتمع ويورث القلق، فإن كان حسن علي خليل ومحمد سليمان (اعد) من رواد الهجرة والعودة المظفرة إلى الوطن في القرن التاسع عشر، فقد بعثرت هجرة القرن العشرين ذريتهم في أصقاع المعمورة وها هم أحفادهما ينتشرون من سدني إلى هيوستن وكركاس وكل بقاع المعمورة، وكذلك حال عدد كبير من العائلات العلوية الأصيلة التي هاجر أبناؤها اضطرارًا لتحتكر الكراكيب المشهد العلوي في طرابلس. في الخارج، يصير الانتماء الوطني حملاً فوق أكتاف أبناء الطائفة، تتقاطع فيه هوياتهم الصغيرة مع جوازات سفرهم الجديدة، فيتساءلون: لِمَ نصوت، ونحن ندور في دوامة العتمة والتهميش؟ يحسب العلوي المقيم أنه لا يجد سببًا ليمارس حقه في التصويت الحر، ولا يجد العلوي في المهجر سبيلا سهلا إلى صندوق الاقتراع.
فيما ينقسم الوطن بين اجتياح صخرة الروشة واجتياح مغارة جعيتا في مشهدين يجسدان فكرة واحدة: "رقص الأهداف الصغيرة على جثة الوطن"، وفيما يتم تهريب مشروع قانون اختزال الطائفة الإسلامية العلوية في عدد من الأشخاص وتثبيتهم حتى سن السبعين مع تحجيم الهيئة العامة، تبقى المواطنة في جبل محسن سؤالاً معلقًا بين ورقة نعوة وماجد وسيارته. المواطنة هنا ليست حقًا مكتسبًا، بل اختبار يومي للإرادة واليقين. وما دام صوت النعوة يعلو على صوتك في صندوق الاقتراع، وما دام الرحيل ووهم الكراكيب يخط أيامك، ستظل المحنة حاضرة في كل رحلة وداع، وفي كل محاولة للقبض على ظل الانتماء الحقيقي.
في مقابل هذا المشهد الحزين، في شارع المحامي غانم يوسف الخطيب قرب كشك الأزهار، تتمايل يافطة فرحة تبارك للدكتورة جنى محرز المتخصصة في طاقة الهيدروجين المتجددة، رسالة تبعثها الأجيال الجديدة ووعد عن تبرعم الأمل. في جبل محسن اللبناني والمغترب تبزغ أسماء شابة عديدة وجمعيهم آمنوا بما آتاهم ربُّهم من طاقات وزادهم ربهم هدى. وعليهم وحدهم الأمل والرهان.
سؤالي لأترابي، نحن الذين ولدنا من رحم الحرب، ونشأنا في حقبة الرعب والأسى: ألم يحن زمن المواطنة؟ ألا يجب أن ننتقل من الانفعال إلى الفعل، ومن العواطف المتناثرة إلى القرار العقلاني؟
أخي المغترب، أنت الذي ألزمك زمن الخراب الهجرة، وانسلخت عن وطنك، وما لبث زمن الحروب الخاسرة والرهانات الواهمة أن سلخ أرواحنا منا، كن مواطنًا وسجل اسمك في قوائم الاقتراع، كن مواطنا ومارس حقك الانتخابي، ولا تتردد في أن تكون، فالمواطنة ليست بالمقاطعة وإنما بالفعل، ولا سبيل إلا العمل.