محمد البابا

زيلينسكي في الخطوط الأمامية... زيارة ميدانية تحمل رسائل القوة والتحدي

6 دقائق للقراءة

في يومٍ رماديٍ طويل تخلله ضباب خفيف ودويّ انفجارات متقطعة من العمق، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الخطوط الأمامية في منطقة دونيتسك الشرقية، في واحدة من أكثر الزيارات الميدانية حساسيةً منذ بداية الخريف.

ظهوره المفاجئ وسط الجنود على محور بوكروفسك – دوبروبيليا لم يكن مجرد زيارة دعم معنوي، بل رسالة سياسية وعسكرية واضحة بأن القيادة الأوكرانية لا تزال ممسكة بزمام الميدان رغم تصاعد وحدة الهجمات الروسية على طول الجبهة، عمليك قضم الأراضي التي يستخدمها الروس إستراتيجية ناجحة على الرغم من الثمن الباهظ.

تحرّكَ موكب زيلينسكي عةبر طرق ترابية ضيقة تخترق مناطق مدمّرة بالكامل، حيث لم يتبقّ من بعضها سوى هياكل إسمنتية محترقة وأعمدة كهرباء منحنية. أصوات المدفعية كانت تملأ الأفق، والجنود في حالة استنفار دائم، يبدّلون مواقعهم كل بضع ساعات لتجنّب الاستهداف الجوي الروسي. زيلينسكي الذي وصل الى تخوم خطوط القتال دخل أحد المخابئ تحت الأرض، صافح المقاتلين فرداً فرداً، قدم ردوع وأوسمة للمقاتلين الابطال، تحدث معهم بعبارات قصيرة حملت طابعاً وطنياً يحمل معاني البطولة، قائلاً إن “البلاد بأسرها تقف خلفكم، وأنتم من تقاتلون هنا اليوم من اجل الحرية تغيّرون مسار التاريخ الأوكراني”.

استمع الرئيس إلى تقارير ميدانية مفصلة من قادة وحدات النخبة، بينها الفرقة الجوية المنفصلة الخامسة والعشرون "سيتشيسلاف" التي تتولى الدفاع عن أطراف بوكروفسك الجنوبية، وفوج “آزوف” من الحرس الوطني المنتشر في قطاع دوبروبيليا. الحديث تركز على الوضع العملياتي، خطوط التماس، ومستوى الإمدادات في ظل الطقس القاسي ونقص بعض الذخائر. وأكد الضباط أن القوات الأوكرانية تمكنت خلال الأيام الماضية من صدّ عشرات المحاولات اختراق روسية، ترافقت مع قصف مدفعي وجوي مكثّف، إلا أن الدفاعات الأوكرانية المدعومة بالطائرات المسيّرة الهجومية تمكنت من تدمير عدد من العربات المدرعة ومراكز القيادة الميدانية الروسية، كما تم تحرير ٢٤٦ كلم٢ وتعمل الوحدات على دفع المقاتلين الروس على التراجع في محور دوبروبيليا.

وفي أحد الخنادق، شاهد زيلينسكي طاقم تشغيل طائرة المسيّرات (محلية الصنع) +، يجهّزها للإقلاع باتجاه مواقع العدو. تحدّث معهم عن الدور المهم لهذه النوعية من الأسلحة والحاجة إلى زيادة الإنتاج المحلي لهذه الأنظمة، مؤكداً أن “المسيّرات أصبحت سلاحنا الأكثر فاعلية، ويجب أن تكون متوفرة لكل وحدة، في كل محور، وعلى مدار الساعة”. هذه الكلمات لاقت تفاعلاً كبيراً بين الجنود الذين يدركون أن المعارك الحالية تُحسم بالمعلومة الدقيقة والضربة السريعة أكثر من أي وقت مضى.

تزامنت زيارة الرئيس مع تصعيد ميداني واضح في المنطقة. فقد حاولت القوات الروسية خلال الأيام الثلاثة الماضية التقدّم من محور كوراخوفا غرباً، ومن اتجاه ماكيفكا شمالاً، بهدف تطويق بوكروفسك، غير أن معظم هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب المقاومة الشرسة التي تبديها الوحدات الأوكرانية، لكن ااقوات الروسية استطاعت اختراق نعض النقاط عبر تسلل مجموعات راجلة استطاعت التمركز في بعض الأبنية تعمل وحدات النخبة في لواء الهجوم السابع والعشرين على تحييد هذه المجموعات. وتفيد المعلومات بأن القوات الروسية تكبّدت خسائر فادحة في المدرعات والأفراد، بينما تحافظ القوات الأوكرانية على جزء كبير من خطوطها الدفاعية رغم الضغط الكبير والهجمات المتواصلة. كما نفذت وحدات الإنزال الأوكرانية التابعة للاستخبارات العسكرية (غور) عمليات التفاف ناجحة أدت إلى تدمير مستودعات ذخيرة ميدانية روسية وتعطيل بعض طرق الإمداد المؤدية إلى الجبهة.

في المقابل، شنت أوكرانيا خلال الساعات الماضية سلسلة هجمات عميقة داخل الأراضي الروسية استهدفت منشآت للطاقة ومصانع عسكرية في مقاطعات بيلغورود وبريانسك وكورسك. مصادر أمنية أوكرانية أكدت أن عشرات الطائرات المسيّرة نفذت غارات دقيقة على مستودعات وقود ومحطات كهرباء فرعية، ما أدى إلى انقطاع التيار في مناطق صناعية روسية لعدة ساعات. وسائل اعلام روسية وصفت العمليات بأنها “أول موجة من استراتيجية جديدة للردع العميق” تهدف إلى نقل الضغط إلى العمق الروسي وإجبار موسكو على إعادة توزيع دفاعاتها الجوية بعيداً عن الجبهة.

وفي الجانب السياسي، اغتنم زيلينسكي وجوده الميداني للإعلان عن مرحلة جديدة من تطوير الصناعات العسكرية الأوكرانية، مؤكداً أن بلاده باتت جاهزة لتصدير بعض منظوماتها القتالية، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد البصري والاتصالات العسكرية. واعتبر أن “التفوق التقني الأوكراني يجب أن يتحول إلى أداة دعم اقتصادي تعزز قدرة الدولة على الصمود، وايجاد تمويل بديل لشراء ذخائر وعتاد تحتاجه الجبهة”. تصريحات زيلينسكي تزامنت مع إعلان وزارة الدفاع الأوكرانية عن ارتفاع إنتاج المسيّرات بنسبة 120% منذ بداية العام، في إطار برنامج وطني لتأمين مليوني طائرة خلال عام 2025.

زيارة زيلينسكي إلى الجبهة تأتي في وقت تواجه فيه أوكرانيا واحدة من أعنف موجات القصف الروسي على البنية التحتية منذ أشهر، حيث استهدفت صواريخ “إسكندر” و“كاليبر” محطات الطاقة الحرارية في كييف ودنيبرو، ما تسبب بانقطاعات واسعة للكهرباء في أنحاء البلاد. لكن في المقابل، يؤكد المسؤولون الأوكرانيون أن أنظمة الدفاع الجوي نجحت في اعتراض أكثر من 80% من الصواريخ، بينما تعمل فرق الصيانة على إعادة تشغيل المحطات المتضررة.

مع انتهاء زيارته، اجتمع زيلينسكي مع قادة القطاعات الميدانية داخل أحد الملاجئ الخرسانية القريبة من بوكروفسك، وناقش معهم خطط التعزيز، وتوزيع الوحدات الاحتياطية، واستراتيجية الدفاع خلال فصل الشتاء. بدا عليه التعب لكنه رفض مغادرة الموقع قبل مصافحة آخر مجموعة من الجنود، وقال لهم: “نقاتل من أجل أرضنا، من أجل منازلنا، ومن أجل مستقبل أطفالنا. العالم كله يراقب، لكننا نحن الذين نصنع النتيجة”.

الزيارة لم تكن مجرد استعراض ميداني، بل تأكيد على أن أوكرانيا لا تزال تقاتل بإصرار وعقل منفتح على التكنولوجيا والابتكار. فبينما يواصل الروس قصف المدن، ترد كييف بضربات دقيقة في العمق، ومع كل يوم يمرّ، تصبح الحرب أكثر تعقيداً وأكثر اقتراباً من مرحلة جديدة توازن فيها أوكرانيا بين الصمود العسكري والتحول الصناعي الدفاعي. وفي مشهد اختصر الزيارة، وقف زيلينسكي وسط قادته دتخل غرفة العمليات يحدّق في شاشات ، حيث يتابع نقل مباشر المعارك، قبل أن يقول لمرافقيه: “هنا تُصنع الحرية، وهناك في موسكو ما زالوا يحاولون فهمها".