الدكتور سايد حرقص

زراعة وتسويق الوهم

4 دقائق للقراءة

في زمنٍ هاجرت فيه الحقيقة كما هاجرت الأدمغة، وبات الوهم ملاذًا يغرق اللبنانيين في بحرٍ من الدعايات والصور الزائفة، والوعود المخدّرة، والخطابات المضلِّلة التي تبيع لهم أوطانًا جاهزة كما تُباع الهدايا في موسم الأعياد، تحوّل تسويق الوهم على أبواب الانتخابات إلى صناعةٍ كبرى، تُدار بعناية ويُسوَّق لها بخبرةٍ تفوق كل حرفةٍ أخرى.

صناعة الوهم هذه لا تعرف حدودًا؛ فهي قادرة على تحويل الفاسد إلى منقذ، والفاشل إلى بطل، وسدّ المسيلحة إلى بحيرةٍ أسطورية تسقي العطشانين في تمّوز، والمترو والقطارات والنفط إلى حقائق ماثلة يشعر بها المواطن في خياله. أما جماعة "نحمي ونبني"، فيظهرون كأبطالٍ خارقين يردّون العدوّ إلى ما بعد بعد حيفا.

ولعلّ أبلغ مثالٍ على هذا التسويق للوهم كان في 8 أيار 2013، يوم أصدرت وزارة الطاقة والمياه كتيّبًا ترويجيًا بعنوان «حلم وطن»، ظهر فيه الوزير جبران باسيل ونجله في دور البطولة، في رحلةٍ خيالية تستعرض إنجازاتٍ طاقوية ومشاريع نفطٍ وغازٍ وكهرباء وقطارات قيل إنها ستتحقق بحلول عام 2020. بدا العمل وكأنه فيلم دعائي من إنتاج الخيال السياسي اللبناني، حيث تحوّل الوعد إلى واقعٍ على الورق، والخيبة إلى لوحةٍ فنيةٍ ملوّنة. هكذا تُزرع الأحلام في عقول الناس لا لتُثمر، بل لتُخدّرهم، وتمنحهم شعورًا زائفًا بالأمل.

يخبرنا العلم الحديث بضرورة التفكير الإيجابي والنظر إلى القسم الممتلئ من الكوب، لكن لا أدري إن كانت صناعة الوهم، الممتدة من زمن غوبلز والدعاية النازية، تؤمن حقًا بـ«التفكير الإيجابي». ما لا يُقال هو أنّ هذه الثقافة القائمة على التجميل والتغافل تُنتج أجيالًا هشّة فكريًا ونقديًا، تخاف مواجهة ذاتها، وتفضّل العيش داخل فقاعة الخداع الذاتي على مواجهة الواقع الصعب.

في لبنان نزرع الوهم في أطفالنا حين نغذّيهم بصورٍ مثالية عن الحياة، ونزرعه في شبابنا حين نغرقهم بأحلامٍ مستوردة عن النجاح الفوري والثراء السريع، ونزرعه في أنفسنا كلّما أقنعناها بأنّ الظلم طبيعي، وأنّ الصبر على الخطأ فضيلة. هكذا تتحوّل المجتمعات إلى حدائق من الأكاذيب المزخرفة، جذورها ميتة، وأزهارها بلا عطر.

الوهم ليس فقط ما يُقال، بل ما نريد نحن أن نصدّقه. هو المخدر الذي نحقن به أنفسنا كي لا نشعر بوجع الحقيقة. إنه الصمت الذي نمارسه كل يوم حين نرى الزيف ونصمت، لأنّ الحقيقة تزعج وتُكلف مواجهةً لا يجرؤ كثيرون على خوضها. يكفي أن نراقب وسائل التواصل الاجتماعي لندرك أنّ تلميع صورة الفاسدين والفاشلين صار مهنةً لمن استفاد منهم. فالإنسان الذي حاز شهادة دكتوراه مشكوكًا فيها وزرعه زعيمه أستاذًا في الجامعة الوطنية، أو أولئك الذين اكتفوا بمسح الجوخ وتكرار الكلام الفارغ، صاروا بين ليلةٍ وضحاها «إعلاميين» و«خبراء». فماذا ننتظر منهم؟ محاربة الفساد أم تسويق الغباء؟

لقد صار تسويق الوهم أكثر ربحًا من بيع الحقيقة. وسائل التواصل تنشر السخافة والابتذال، والذباب الإلكتروني صار يشبه زعران الموتوسيكلات بتهديداتهم وشتائمهم، حتى بعض المثقفين يبيعون مجاملاتهم في سوق البيع والشراء تحت شعار «الواقعية» أو «الحذر».

حين نعيش داخل الخديعة، نفقد قدرتنا على الحلم الحقيقي، على الحزن الصادق، على الغضب النبيل. نصبح كائناتٍ عاجزة عن التمرّد، تستهلك الوعود كما يُستهلك الهواء.

الحياة لا تحتاج إلى مزيدٍ من المصفّقين والمجمّلين، بل إلى من يجرؤ على قول الحقيقة كما هي: قاسية، صادقة، جارحة،مؤلمة، مخيفة لكنها حقيقية. لا إصلاح بلا مواجهة، ولا حرية بلا مكاشفة، ولا شفاء بلا صدق وشفافية.

علينا أن ندرك أنّها جريمة وخيانة وطنية أن نضحّي بوطننا من أجل أيّ قضية مهما كانت نبيلة، وأنّه لا دولة يمكن أن تعيش بسلاحين، ولا مسؤول فاسد يمكن أن يحارب الفساد، والقضاء الذي لم يُنصف شهداء المرفأ لا يمكن أن يُدعى قضاءً عادلًا.

أوقفوا زراعة الوهم، فقد تلوثت الأرض من بذور الفساد والنفاق والمجاملات. وأوقفوا تسويقه، فقد امتلأت الأرواح بالأقنعة الغريبة التي لا تشبهنا. آن الأوان أن نعيد الإنسان إلى ذاته قبل أن يذوب تمامًا في عالمٍ من السراب.

فالوهم لا يداوي الجراح، بل يجمّلها كي لا نراها... حتى تتعفّن. قد لا تكون الحقيقة مريحة، لكنها وحدها تُنقذ. الوعي مؤلم، نعم، لكنه بداية الشفاء. فلنزرع بدل الوهم أملًا، وبدل الخداع صدقًا، وبدل الخوف وعيًا، كما فعل الألمان بعد الحرب العالمية الثانية. لأنّ الإنسان لا ينهض حين يُخدَع، بل حين يُستيقظ. وفي كل لحظة وعيٍ جديدة، يولد وطنٌ صغير داخل كلّ روحٍ حرّة.