تشهد سوريا اليوم تنافسًا بين مشروعين إقليميّين رئيسيّين يسعيان إلى بسط نفوذهما: المشروع السعودي-الإسرائيلي - المصري من جهة، والمشروع التركي - القطري من جهة أخرى. لم يتمكّن أيّ من الطرفين حتى الآن من صياغة رؤية نهائيّة أو متماسكة لمستقبل سوريا السياسي والجغرافي، إلّا أن الاحتكاك بين المشروعين يمهّد تدريجيًا لتسوية جديدة في سوريا، من شأنها أن تعيد رسم ملامح الدولة السورية والنظام المشرقيّ برمّته.
المشاريع المتنافسة
يبدو أن المحور السعودي - الإسرائيلي - المصري يمتلك اليد العليا، بفضل التفوّق العسكري والتكنولوجيّ الإسرائيلي من جهة، والقدرة المالية والنفوذ الدبلوماسي السعودي من جهة أخرى. أمّا المشروع التركي - القطري، على الرغم من نشاطه وحضوره الإقليميّ، فإنه يفتقر إلى العمق الاستراتيجي والقدرة المادية المماثلة، ولا سيّما في ظلّ الانتخابات الرئاسية التركية المرتقبة عام 2026 وطموح الرئيس رجب طيب أردوغان واستعداده للمساومة من أجل إعادة انتخابه. ومع ذلك، يبقى الصراع مفتوحًا، ومتأثرًا إلى حدّ كبير بالتفاعلات الداخلية السورية وبمواقف القوى المحلية.
داخل سوريا، يبدو أن المجتمعين الدرزي والكردي يميلان نحو الرؤية السعودية - الإسرائيلية - المصرية، لما يرونه فيها من وعد بالاستقرار في ظلّ نظام منسجم مع الغرب، في حين يسعى نظام الشَرع إلى الحفاظ على وحدة سوريا بأيّ ثمن. ويجد الشَرع نفسه ممزقًا بين المكاسب الأمنية والاقتصادية التي يقدّمها المحور الإسرائيلي - السعودي، وبين الضغوط الأيديولوجية والسياسية القادمة من تركيا والتيارات الإسلامية داخل صفوفه.
الدور الأميركي: جسر الفجوة
تبقى الولايات المتحدة الفاعل المحوريّ في هذه المعادلة المتغيّرة. إذ تلعب القيادة الاستراتيجية الأميركية دورًا أساسيًا، ليس فقط في ردم الهوّة بين المشروعين المتنافسين، بل أيضًا في احتواء كلّ من روسيا وإيران.
فروسيا، رغم حفاظها على قواعدها العسكرية القديمة في سوريا - وهي هدف استراتيجي يعود إلى الحقبة السوفياتية - تدرك اليوم أن دورها في تشكيل البنية السياسية الجديدة لسوريا محدود للغاية. لقد تقلّص نفوذها بشكل كبير، وبات وجودها العسكري مقبولًا من قبل الولايات المتحدة فقط ما دامت لا تتدخل في عملية إعادة تشكيل النظام السياسي السوري.
أما إيران، فقد أُنهكت بشدّة نتيجة الضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية الأخيرة، وانهيار طموحاتها الإقليمية. ورغم قدرتها السابقة على إحداث اضطرابات، كما أشار زبغنيو بريجنسكي، فإن إيران لم تكن يومًا قوّة قادرة على صياغة نظام إقليمي أو فرضه، بل كانت في أفضل الأحوال عنصرًا مُعطِّلًا. واليوم، حتى هذا الدور أصبح محدودًا. لقد فقدت كلٌّ من إيران وروسيا، اللتين كانتا فاعلين مُعطِّلين في الساحة السورية والإقليمية، قدرتهما على عرقلة الإطار الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة، على الأقلّ في المرحلة الراهنة.
ومع ذلك، تبقى ديناميات المنطقة متغيّرة. فخلال السنوات المقبلة، قد تعود روسيا وإيران، وهما شريكتان في ساحات أخرى، إلى محاولة تعطيل النظام الإقليمي الجديد الذي ترعاه واشنطن في سوريا ولبنان والعراق. وهذا ما يفسّر أهمية المظلّة الاستراتيجية الأميركية التي تبقى ضرورية ليس فقط للتوسّط بين حلفاء واشنطن (إسرائيل، السعودية، مصر، تركيا، وقطر)، بل أيضًا لردع أي عودة روسية أو إيرانية. ولهذا السبب، يبدو أن الوجود الأميركي المباشر في سوريا، بصيغةٍ أو بأخرى، أمرٌ مرجّح بشكل متزايد.
الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل
من المفارقات، أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية نادرًا ما كانت ناتجة عن دولٍ مجاورة فاعلة، سواء أكانت معادية أو صديقة. فمصر وسوريا والأردن، رغم العداء التاريخيّ والحروب المتكرّرة، لم تشكّل يومًا تهديدًا وجوديًا لإسرائيل. التهديدات الحقيقيّة لأمن إسرائيل كانت دائمًا تنبع من الدول الفاشلة أو المفكّكة، حيث يُنتج الفراغ والفوضى جماعاتٍ مسلّحة ووكلاء محليين .Proxies
يشكّل لبنان أوضح مثال على ذلك: بدءًا بمنظمة التحرير الفلسطينية في السبعينات، وصولًا إلى "حزب اللّه" منذ الثمانينات. وبالمثل، فشل السلطة الفلسطينية أفسح المجال أمام "حماس" لترسيخ سلطتها في غزة. والعبرة التي تستخلصها إسرائيل والمنطقة واضحة: الدول الفاشلة تولّد عدم الاستقرار والتطرّف والفاعلين من غير الدول Proxies، ما يهدّد النظام الإقليمي بأسره.
لبنان: مفترق طرق تاريخي
يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فهو يمتلك فرصة فريدة للانتقال من دولة فاشلة إلى دولة فاعلة، سليمة، وذات سيادة. غير أن النظام السياسي القائم، المبنيّ على المحاصصة الطائفية والتحالفات الزبائنية، قد أفرز طبقةً فاسدة ارتبطت تاريخيًا بقوى خارجية، من منظمة التحرير الفلسطينية في عهد عرفات إلى إيران، سعيًا وراء السلطة والمكاسب.
إن انعكاسات فشل لبنان تتجاوز حدوده الوطنية، وتمتدّ من اليمن إلى الكويت، ومن سوريا إلى المجتمع الدولي الأوسع. واستمرار هذا النظام الفاسد والمترهّل لم يعد مقبولًا، لا داخليًا ولا إقليميًا.
لا يكمن التحدّي أمام لبنان فقط في نزع سلاح "حزب اللّه"، بل في تفكيك بنيته العسكرية والأمنية وإعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوّة. ويتطلّب ذلك إعادة صياغة جذرية للنظام السياسي اللبناني نفسه.
على لبنان أن يتجاوز النظام المركزي الفاشل والفاسد الذي أُرسِي بعد الحرب العالمية الأولى، والذي كرّس الانقسام والشلل. ويكمن الحلّ في الفدرالية، التي تمكّن اللبنانيين من صياغة عقد اجتماعي حقيقي، نسختهم الوطنية من مبدأ "نحن، شعب لبنان، من أجل أن نعيش بسلام وكرامة "…، بما يعكس تنوّعهم وهوياتهم المشتركة.
إن الفدرالية، بما تحمله من توازنات وضوابط وفصلٍ للسلطات، تمثل الإطار السياسي الأكثر واقعية وقدرة على تحويل لبنان من دولة فاشلة إلى دولة مزدهرة، سلمية، وفاعلة، قادرة على التعايش بانسجام مع جيرانها والمساهمة في استقرار المشرق والشرق الأوسط بأسره.
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ