في هجوم روسي هو الأعنف منذ أسابيع، شنّت موسكو خلال اليومين الماضيين سلسلة واسعة من الضربات المركزة على محطات الطاقة الأوكرانية، في ما بدا أنه فصل جديد من الحرب على البنية التحتية الحيوية. ففي ليلة السابع إلى الثامن من تشرين الثاني، تحولت سماء أوكرانيا إلى ساحة مواجهة نارية استخدمت فيها روسيا أكثر من أربع مئة وخمسين طائرة مسيّرة وعشرات الصواريخ البعيدة المدى، استهدفت مواقع توليد وتوزيع الكهرباء في مناطق متعددة أبرزها كييف وخاركيف وبولتافا. كانت الضربات دقيقة ومدروسة، إذ طالت محطات تحويل تغذي محطتي الطاقة النوويتين في خملنيتسكي وريڤنه، وهو ما اعتبرته كييف مؤشراً خطيراً على نية روسية واضحة في تعطيل منظومة الطاقة الوطنية بالكامل.
وزير الخارجية الأوكراني أندري سبيها وصف الهجوم بأنه «ضربات مخططة» تستهدف عمداً منشآت تغذي مفاعلات نووية، محذراً من أن المخاطر لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد إلى تهديد الأمن النووي الأوروبي بأسره.
ومع اشتداد موجة القصف، أعلنت شركة "سينتر إنيرغو" التي تشغل عدداً من المحطات الحرارية في وسط وشرق البلاد، أنّ محطاتها الثلاث خرجت عن الخدمة بالكامل بعدما أصيبت بشكل مباشر، ما أدى إلى انخفاض القدرة التوليدية إلى مستوى الصفر تقريباً.
هذا الانقطاع الواسع فرض على الحكومة تطبيق جدول طارئ لتقنين الكهرباء في معظم المناطق، حيث باتت ساعات الإمداد محدودة وتختلف بين منطقة وأخرى، بينما لجأت البلديات إلى تشغيل مولدات احتياطية لتأمين الكهرباء للمستشفيات وشبكات المياه ومراكز الاتصالات.
بدورها ليسيا باشنياك، الأستاذة المشاركة في أكاديمية كييف للكوادر القيادية للثقافة والفنون، والمستشارة السابقة لوزير الداخلية الراحل دينيس موناستيرسكي، تتذكر في حديث ل "نداء الوطن:" أتذكر السنة الأولى من الحرب، وغياب النور و"نقاط قوتنا"، لم نستسلم حينها، مهما كانت الصعوبة. حتى في ذلك الوقت، كانت كارثة إنسانية مُتوقعة، كما كان الحال مع فكرة الاستيلاء على كييف في ثلاثة أيام. لكن الأوكرانيين الذين يقاتلون من أجل استقلالهم منذ أربع سنوات لا تكسرهم هذه الهجمات. ورغم أن الأمور لا تسير على ما يُرام بالنسبة لنا، إلا أننا ما زلنا صامدين".
وتضيف مع ابتسامة ثقة:"قوتنا تكمن في وحدتنا وإيماننا بالعدالة، نحن ندافع عن انفسنا. الجميع يُساعد الجميع. الجميع يُعنى بنفسه وبأحبائه. أصبحت بنوك الطاقة، والمصابيح اليدوية، ومنصات التدفئة، ومحطات البطاريات، والترمسات – أفضل الهدايا. والجميع، كما هو الحال دائمًا، يُساعد القوات المسلحة الأوكرانية قدر استطاعته. لذلك، فإن حرب الاستنزاف هذه تُقوي الأوكرانيين وتُهيئهم للظروف الجديدة. السؤال المطروح الآن هل يُمكن تخويف الأوكرانيين بأي شيء؟ "
أما الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف يقول ل "نداء الوطن": "تدمّر روسيا محطات توليد الكهرباء في أوكرانيا على مدى 4 سنوات هذا إبادة جماعية عادية للأوكرانيين، ومحاولة للضغط على المدنيين، وتعطيل الحياة التي تستمر رغم قساوة الظروف. لكن المهم أن أوكرانيا أيضاً بات لديها القدرة على اتخاذ إجراءات وعمليات مضادة: فأوكرانيا تدمّر بنجاح وبنشاط مصافي النفط الروسية، وكذلك محطات الطاقة الكهربائية، مما يقضي أيضاً على الإمكانات الاقتصادية لروسيا. حتى اليوم، الوضع معقد فيما يتعلق بتزويد الكهرباء في العديد من مناطق أوكرانيا، لكن الأوكرانيين اعتادوا على ذلك".
المشهد في كييف وخاركيف خلال اليومين الماضيين كان قاتماً. انقطعت الأنوار في أحياء كاملة، وتحولت الشوارع إلى مساحات صامتة تضاء فقط بضوء الهواتف المحمولة أو شموع المنازل. السكان الذين اعتادوا على فترات انقطاع طويلة خلال شتاء العام الماضي وجدوا أنفسهم أمام أزمة مشابهة وربما أشد قسوة، في وقت بدأت فيه درجات الحرارة بالانخفاض السريع. داخل العاصمة، تعمل فرق الطوارئ على مدار الساعة لإصلاح الخطوط المتضررة وإعادة تشغيل المحولات، لكن حجم الدمار واسع والضغط الروسي مستمر، ما يجعل مهمة الإصلاح معقدة وطويلة الأمد.
وزيرة الطاقة الأوكرانية سفيتلانا غرينتشينكو أكدت في منشور لها أن الضربات لم تستهدف المنشآت النووية نفسها، بل محطات التغذية والتحويل المحيطة بها، إلا أن هذا لا يقلل من خطورتها. فإصابة أي جزء من منظومة الإمداد الكهربائي للمفاعلات قد يعطل أنظمة التبريد ويخلق كارثة يصعب احتواؤها. ووفقاً للمصادر الرسمية، سقط ما لا يقل عن سبعة قتلى وعدد من الجرحى نتيجة الهجمات التي وُصفت بأنها محاولة متعمدة لـ«تحويل الحرب إلى حياة المدنيين».
في خلفية هذا المشهد، يتضح أن موسكو تسعى إلى تكرار سيناريو شتاء العام الماضي، حين حاولت من خلال تدمير محطات الطاقة إدخال البلاد في عتمة طويلة وشلّ الاقتصاد وإرهاق المدنيين. لكن كييف تبدو اليوم أكثر استعداداً، إذ طورت دفاعاتها الجوية وأنشأت منظومة طوارئ لتوزيع الأحمال الكهربائية، غير أن كثافة الضربات الأخيرة تكشف أن روسيا لا تزال تمتلك القدرة على إرباك هذه المنظومة والتأثير على حياة ملايين الأوكرانيين. وبينما يواصل الفنيون الأوكرانيون العمل في ظروف قاسية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، يعيش السكان مجدداً تحت هاجس الظلام والبرد، في حربٍ تحاول فيها روسيا كسر الإرادة عبر العتمة.