واشنطن
أثارت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع التاريخية إلى البيت الأبيض ولقاؤه الرئيس دونالد ترامب تحليلات واسعة بواشنطن في شأن مستقبل دمشق، ومسار العلاقات الأميركية - السورية، والمخاطر المتصاعدة التي تواجهها الأقليّات داخل سوريا. وسلّط الخبراء الأميركيون الضوء على التداعيات الرمزية والاستراتيجية للزيارة، مشدّدين على المخاطر والشكوك المرتبطة بالصراع الداخلي المستمرّ في سوريا وإعادة تموضعها الجيوسياسي الأوسع.
وأشارت وسائل الإعلام الأميركية إلى الطابع التاريخي للزيارة التي تمثل انقلابًا جذريًا، فقد تحوّل الشرع من كونه "إرهابيًا" مُدرجًا على لوائح الولايات المتحدة وقائدًا سابقًا في تنظيم "القاعدة" إلى شخصيّة مُرحّب بها في المكتب البيضوي، ما يعتبر دليلًا على تقلّب الديناميكيات الإقليمية. أدّى تولّي الشرع الرئاسة، عقب الإطاحة ببشار الأسد، إلى تغييرات سريعة في علاقات سوريا الدولية، حيث انتقلت من دولة لطالما اعتُبرت مصدرًا لعدم الاستقرار إلى دولة تتعاون الآن مع الولايات المتحدة في الحرب ضدّ تنظيم "داعش"، وتبتعد عن شركائها التقليديين كإيران وروسيا.
ورغم إعلان مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أن سوريا انضمّت رسميًا إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضدّ "داعش"، تجدر الإشارة إلى أن ذلك لم يتمّ تأكيده. فقد أوضح مصدر دبلوماسيّ أن ما لم يُذكر، أو على الأقل لم يُعلن عنه علنًا، هو طبيعة المحادثات التي دارت في شأن دمج "قسد" التي يقودها الكرد، والتي كانت الحليف الرئيسي لأميركا في الحرب ضدّ "داعش". من هنا تعاون سوريا سياسيًا مع التحالف ضدّ "داعش" خطوة إيجابية بلا شك من حيث تعزيز موقفها بين الدول الغربية، ولكنه ينطوي على مخاطر كبيرة ما لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بين "قسد" ودمشق. كذلك، تناول الخبراء وصف ترامب الشرع بأنه "قوي" و "له ماضٍ صعب"، ما يشير إلى استعداده لتجاوز تاريخ "الجولاني" العسكري لتحقيق مكاسب استراتيجية ممكنة. لكن مصدرًا دبلوماسيًا لفت إلى أن أسلوب استقبال الشرع الذي دخل من باب جانبي، ومنع الصحافيين من توثيق اللقاء، يدلّ على حساسية وطبيعة التقارب الدبلوماسي المثيرة للجدل.
من جانب آخر، ركّز مسؤول سابق في الإدارة الأميركية على التعليق الجزئي للعقوبات بموجب "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا"، بحيث أشار إلى أن تخفيف العقوبات على دمشق لا يزال قضية خلافية ساخنة في الكونغرس. وفسّر محلّلون أميركيون أن انفتاح الإدارة على التعامل مع حكومة الشرع، وربّما مقايضة تخفيف محدود للعقوبات بالتعاون السوري في مكافحة الإرهاب، بأنه "أمرٌ مثيرٌ للقلق البالغ بالنظر إلى ماضي الشرع كزعيم إسلامي متشدّد". كذلك، لفت مصدر دبلوماسي إلى أن أبرز القضايا الأخرى التي لا بدّ أن تمّ التداول بها، تتركّز على الجهود الأميركية الأوسع نطاقًا للتوسط في محادثات بين سوريا وإسرائيل، بما في ذلك الحديث عن اتفاقية أمنية محتملة. وحذر المصدر من أن مثل هذه الخطوات قد تُمكّن عناصر متشدّدة جديدة من ترسيخ نفوذها في سوريا على حساب السلام والتعدّدية.
وبينما تبنت إدارة ترامب، الشرع، كشخصية قادرة على تحقيق الاستقرار، لا تزال هناك مخاوف في شأن ترسيخ سلطته وتداعيات ذلك على الأقليات في سوريا، بما في ذلك العلويون والمسيحيون والدروز والكرد. وأعرب الخبراء عن مخاوفهم من أن حكومة الشرع، التي يُنظر إليها على أنها متحالفة مع الفصائل السنية المتشدّدة والحركات الإسلامية، قد تهمل حماية الأقليات سعيًا إلى الحصول على الشرعية والقبول الدولي. وحذر مصدر دبلوماسي من أن التقارب المتسرّع، المدفوع بأولويات أمنية قصيرة الأجل، قد يقوّض المساءلة عن الفظائع الماضية ويحدّ من النفوذ الدولي لإجراء إصلاحات لحماية المجتمع المدني.
وعلى خط الكونغرس الأميركي، كانت ردود الفعل متباينة على زيارة الشرع إلى البيت الأبيض. فقد أعرب بعض أعضاء الكونغرس عن دعمهم تعميق المشاركة الدبلوماسية مع سوريا، بينما أصرّ آخرون على أن الشراكات الاستراتيجية ورفع العقوبات يجب أن تكون مشروطة بشكل صارم بإحراز تقدّم في مجال حقوق الإنسان وحماية الأقليات الضعيفة. وفيما أعرب السيناتوران الديمقراطية جين شاهين والجمهوري راند بول عن استعدادهما لإلغاء عقوبات "قانون قيصر" من دون شروط، معتبرين التقارب وسيلة لدعم الاستقرار في سوريا ومواجهة "داعش"، ضغطت أصوات بارزة أخرى، من بينها السيناتوران الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطي كريس فان هولين، من أجل رقابة برلمانية دورية، وطالبت بوضع شروط لأي تراجع عن العقوبات. وتشمل هذه الشروط ضمان سعي سوريا إلى حكومة تمثيلية والحفاظ على تعاون فعّال مع التحالف الذي تقوده أميركا ضدّ "داعش"، وحماية الأقليات، ولا سيّما في ظلّ تأكيد التقارير الاستخباراتية على المخاطر التي تواجه هذه الأقليات في سوريا.
من هنا تعكس الدعوة إلى ضرورة وضع آلية إبلاغ صارمة من الكونغرس، الخوف من أن تشكل الوحدات المتشدّدة والمرتبطة بالجماعات الجهادية داخل الأجهزة الأمنية السورية، تهديدًا للأقليات لا يقلّ خطورة عن تهديد نظام الأسد. يشار إلى أن لقاء الشرع عددًا من المشرّعين، بمن فيهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي النائب براين ماست، الذي يعتبر من صقور السياسة الخارجية، والنائب جو ويلسون، لم يذلّل المخاوف في الكونغرس لجهة وجود جهود كافية لمكافحة التطرّف، لذا استمرّ التردّد في شأن رفع العقوبات الكامل من دون آليات قوية للرقابة.
باختصار، مثلت زيارة الرئيس السوري إلى البيت الأبيض "مقامرة" محفوفة بالمخاطر، ولكنها مهمّة في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، بهدف إعادة تشكيل التحالفات وتقليص نفوذ إيران. وقد اعتقد بعض الخبراء أن نهج ترامب غير التقليدي قد يؤدّي إلى استقرار أكبر في سوريا، إذا ما عمل الشرع على تعزيز الوحدة وحماية حقوق الأقليات.