ريتا عازار

فرقة "Straight No Chaser"... الـ "A cappella" صوت الأصالة في زمن الذكاء الاصطناعي

9 دقائق للقراءة

في عصر الإيقاعات الرقميّة والكمال المصنوع بـ "Autotune"، قد يبدو مشهد مجموعة من الرجال يقفون في نصف دائرة ويغنون بلا آلات موسيقيّة أمرًا قديم الطراز. ومع ذلك، وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، حولت فرقة "Straight No Chaser" هذا الشكل الغنائيّ التقليديّ - فرقة الـ "A cappella" - إلى قوّة ثقافية معاصرة. وما بدأ كتجربة طالبيّة في "جامعة إنديانا" بالولايات المتحدة الأميركيّة عام 1996، تطوّر إلى فرقة تجوب العالم وتوقع مع شركة "Atlantic Records"، وتبيع أكثر من مليون ألبوم، وتعيد تعريف كيفية تفاعل الجماهير الحديثة مع الغناء غير المصحوب بآلات.

تعكس قصة نجاح فرقة "Straight No Chaser" ليس فقط براعة أعضائها في التناغم، بل تعكس أيضًا غريزة عميقة بالتوقيت الثقافي: القدرة على تحويل الحنين والدعابة وحرفيّة الصوت إلى ظاهرة ترفيهية في القرن الواحد والعشرين.


من تقليد جامعي إلى شهرة عالمية

كانت بدايات الفرقة بسيطة بقدر ما كانت تنبؤيّة. أسّسها دان بونس وتسعة من زملائه الطلاب، وسُمّيت باسم مقطوعة الجاز لعام 1951 للموسيقار ثيلونيوس مونك، "Straight, No Chaser"، في إشارة إلى ميول أعضائها الموسيقيّة الأولى. كانت عروضهم في الغالب في الحرم الجامعي، تجمع بين معايير الجاز القديمة وأغاني الـ "Doo-wop" وأغاني الـ "Pop" الخفيفة. في جامعة إنديانا، كانت الـ "A cappella" مجرّد هواية جامعية، لا مسارًا مهنيًا. وعندما تخرّج الأعضاء في أواخر التسعينات، انحلّت الفرقة ودّيًا، تاركة وراءها تسجيلًا هاويًا من حفل عيد الميلاد لعام 1998.

بعد عقد من الزمان، أعاد ذلك التسجيل إشعال شرارة جديدة. ففي العام 2006، رفع العضو المؤسس راندي ستاين مقطع الفيديو لعزفهم الكوميدي لأغنية "The 12 Days of Christmas" على موقع "يوتيوب". وقد انتشر المقطع كالنار في الهشيم في بدايات وسائل التواصل الاجتماعي، جامعًا ملايين المشاهدات. وأدى نجاحه إلى عرض المدير التنفيذي لشركة "Atlantic Records" كريغ كالمان على المجموعة عقدًا لتسجيل الألبومات، لتعود الفرقة إلى الحياة بعشرة أعضاء من المؤسِّسين. أصبحت فرقة "SNC" من أوائل الفرق التي انتقلت من الهواية الجامعية إلى النجاح المهني بفضل القوّة الناشئة لجمهور الإنترنت.


إعادة ابتكار الأكابيلا

قبل فرقة "Straight No Chaser"، كان فن الغناء الـ "A cappella" في الولايات المتحدة الأميركيّة، مقتصرًا إلى حدّ كبير على فئة معيّنة: حيث كانت الفرق الجامعيّة تقدّم عروضها محليًّا، وتتنافس فرق الرباعيّات الغنائيّة ضمن دوائرها الخاصة، وكانت الفرق المحترفة مثل "The King’s Singers" أو "Take 6" تستهدف جمهورًا من المتخصّصين في الموسيقى. إلا أنّ فرقة "SNC" دخلت عالم الموسيقى السائد بأسلوب جمالي مختلف تمامًا. فقد جمعت عروضها بين انضباط الغناء الكورالي والروح المرحة والفكاهية لبرامج التلفزيون الليلية.

استفاد ألبوم الفرقة الأول "Holiday Spirits" الصادر عام 2008، من نجاحها الكبير على الإنترنت، ليصبح من أكثر الألبومات مبيعًا في موسم الأعياد في الولايات المتحدة. لكن طموح أعضائها الفني تجاوز مجرّد تقديم أغاني عيد الميلاد. فقد قدّم ألبومهم "With a Twist" في العام 2010 توزيعات موسيقية معاصرة لأغاني الـ "Pop" بما في ذلك أغنية "I’m Yours" لجيسون مراز وأغنية "Under the Bridge" لفرقة "Red Hot Chili Peppers"، ما أثبت أن الغناء من دون آلات موسيقية يمكن أن يكون جذابًا إذاعيًّا وناجحًا تجاريًّا. كما عززت ألبوماتهم اللاحقة، مثل "Under the Influence" سنة 2013، التي تضمنت تعاونات مع سارة باريليس وستيفي وندر وفيل كولينز، مكانتهم في عالم الموسيقى الشعبية.

ما ميّز فرقة "SNC" لم يكن فقط مزيجها الصوتي الرائع، بل أيضًا التزامها بالفكاهة كجزء أساسي من البُنية الموسيقية. ففي عروضهم المسرحيّة، يمزجون النكات والحركات الاستعراضية والتفاعل المرح مع الجمهور في نسيج أغانيهم. هذه الروح المسرحيّة تمنع عروضهم من أن تبدو كحفلات موسيقية تقليدية؛ بل تشبه عروضًا سرديّة حيث يحتلّ الضحك والتناغم الصوتيّ مكانة متساوية. وبذلك، كسرت فرقة "SNC" حاجز الجمود الذي غالبًا ما يرتبط بالغناء الكورالي، وجعلت فن الغناء الصوتي يبدو متاحًا وممتعًا للجميع.


التناغم كتعليق ثقافي

إلى قيمتها الترفيهية، تحمل موسيقى فرقة "Straight No Chaser" دلالات ثقافية عميقة. ففي ظلّ المشهد الموسيقي المشتت والرقمي الذي ساد أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، أصبح صوتهم البشريّ الخالص بمثابة تعبير عن الأصالة. إن غياب الآلات الموسيقية أو أجهزة المزج الإلكترونية أو الحيَل الصوتيّة في الاستوديو، يدعو المستمع إلى فضاء صوتيّ جماعيّ، حيث تتعاون الأصوات البشرية بدلًا من التنافس. يتردّد صدى هذا الصوت الجماعي مع حنين ثقافيّ عميق، فهو يستحضر فِرَق الرباعيّات الغنائيّة التي اشتهرت في بدايات الإذاعة الأميركية، ونوادي الغناء الجامعيّة في أربعينات القرن الماضي، وحتى التناغمات الإنجيليّة التي تشكّل أساس الكثير من موسيقى الـ "Pop" الأميركية.

مع ذلك، فحنين فرقة "SNC" ليس محافظًا أبدًا، إذ غالبًا ما تكون ترتيباتهم الموسيقيّة ساخرة، حيث يعيدون مزج التقاليد القديمة بروح الدعابة الحديثة والحس الفنيّ المعاصر. تُعدّ أغنيتهم "The 12 Days of Christmas" لعام 1998، نوعًا من التعليق الموسيقي الميتافيزيقي، كمحاكاة ساخرة تُكرّم التقاليد التي تفكِّكها بمرح. بهذا المعنى، تشارك فرقة "Straight No Chaser" في ما قد يُسمّيه المُنظِّرون الثقافيّون "المحاكاة ما بعد الحداثية"، أي مزج الأساليب والأنواع والمراجع التاريخية في أداء واعٍ ومبهج. من خلال الجمع بين ترانيم الأعياد وأغنية "Africa" لفرقة "Toto"، يحوِّلون الذاكرة الثقافية إلى شيء جماعيّ جديد، أداء يصبح فيه تعرُّف الجمهور على كلّ اقتباس موسيقيّ جزءًا من التجربة.


الرجولة والزمالة وهوية الأداء

يحمل فن "Straight No Chaser" أيضًا، بعدًا يتعلّق بصورة الرجولة في الثقافة الشعبية. فالفرقة تقدِّم نموذجًا من الصداقة الذكورية الدافئة والمرحة وغير التنافسية، وهذا نقيض للكثير من صُوَر الرجال في ثقافة البوب. يمزحون على المسرح، ويتبادلون الأدوار، ويتحرّكون بتناغم يُذكِّر بفريق رياضي، لكن بترجمة موسيقية. هذا الأداء الجماعي يعكس جوهر الـ "A cappella" نفسها: لا صوت يعلو على الآخر، بل كل صوت يصغي ويتكامل مع البقيّة.

بهذا المعنى، تُجسّد "Straight No Chaser" كيف يُمكن للموسيقى أن تُقدّم نموذجًا للتناغم الاجتماعي، فكثير من حفلات الفرقة تشمل مشاركة الجمهور في الغناء، ما يجعل الجمهور امتدادًا لها. وهكذا يصبح الغناء المشترك استعارة للتعاون الإنساني في عصر يسوده الانعزال والتواصل الرقمي البارد.


موسيقى الحنين المعاصر

من الناحية الثقافية، يشير استمرار شعبية فرقة "Straight No Chaser" إلى ظاهرة أوسع: شغف الجمهور بالحنين المعاصر، الرغبة في تجارب تبدو أصيلة وجماعية، وفي الوقت نفسه مصقولة وعصرية. يمتدّ رصيدهم الموسيقي ليشمل أجيالًا متعددة، من مارفين غاي وبيلي جويل إلى إد شيران وهوزير، ما يسمح للجمهور من مختلف الأعمار بإيجاد ما يألفونه. ويُعزز نوع موسيقى الأعياد، الذي تتألق فيه فرقة "SNC" بشكل خاص، هذا الجانب الحنيني. تزدهر موسيقى الأعياد على التكرار والذكريات، وتُلبي إعادة تقديمات "SNC" لهذه الرغبة في التقاليد مع إضافة لمسة من الحداثة الذكية.

تعكس توزيعاتهم الموسيقية، وبخاصة تلك التي صاغها والتر تشيس، فهمًا عميقًا للحنين كمفهوم صوتي. تُثري نغمات الـ "Jazz" التاسعة والحادية عشرة، تناغماتهم، ما يمنح حتى أغاني الـ "Pop" هالة من الرقي الكلاسيكي. والنتيجة هي لغة موسيقية تربط بين العصور: قدِّمت في نوادي الجاز في الخمسينات، والأخرى في قوائم التشغيل الرقمية لعام 2025.


الإرث الأوسع

بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا على تأسيسها، ما زالت "Straight No Chaser" تجوب العالم بجولات موسيقية وتحتفظ بقاعدة جماهيرية مستقرة على نحو نادر. كما أن استمرار فرقة الطلبة في "جامعة إنديانا" بالاسم نفسه يجعل أسلوبهم تقليدًا حيًا لا علامة تجاريّة متحجِّرة. في التاريخ الأوسع للموسيقى الصوتية، يُمثِل إنجازهم نقطة تحول، إذ أثبتوا أن الـ "A cappella" التي كانت يومًا نشاطًا جامعيًا محدودًا، يمكن أن تشكِّل مسارًا احترافيًا ناجحًا في كبرى شركات الإنتاج.

يمكن تتبع أثرهم في نجاح فرق لاحقة، مثل "Pentatonix" و "Home Free"، وحتى سلسلة أفلام "Pitch Perfect"، التي أعادت الـ "A cappella" إلى واجهة الثقافة الشبابية. ومع ذلك، تبقى "Straight No Chaser" مختلفة في نبرتها، أكثر نضجًا، أكثر طرافة، وأكثر ارتباطًا بالعروض الحية من الاستوديوات. إنهم يقفون في مساحة ثقافية بين "The King’s Singers" وفرقة كوميدية احترافية وإنسانية في الوقت ذاته، منضبطة ومرحة.


أصوات منسجمة مع العصر

تلخص قصة "Straight No Chaser" كيف يمكن للتقليد أن يتكيَّف مع التكنولوجيا، وكيف يمكن للتناغم أن يصبح تعليقًا ثقافيًا بحدّ ذاته. فمن فيديو على يوتيوب إلى قاعات الحفلات المزدحمة، تكشف رحلة أعضائها عن مفارقة موسيقى القرن الواحد والعشرين، أن في عالم رقميّ قد يكون أجمل صوت، هو الصوت البشريّ النقي. عروضهم، مزيج من الحنين والابتكار، تمنح الجمهور مساحة للفرح الجماعي، وتذكّر بأنّ التناغم ليس مجرّد بناء موسيقيّ بل فكرة اجتماعية.

طالما ظلّ الناس يتوقون إلى الأصالة الممزوجة بالدعابة، وإلى الألحان التي توحِّدها الصداقة، فإنّ أصوات "Straight No Chaser" ستظلّ تتردّد واضحة، صافية، وبكل بساطة. إنها "Straight: No Chaser".



إعلان عن جولة جديدة