في العرض المسرحيّ "آخدة كسرة - Break a Leg"، الذي تقدّمه ندى أبو فرحات على المسرح، تعود الممثلة المعروفة إلى الخشبة بثقةٍ وجرأة، لتنقل إلى الجمهور ضمن نصّ سرديّ، ساخر، وشيّق، تجربة شخصيّة مؤلمة عاشتها، حوّلتها إلى حكايةٍ نابضة بالحياة، تجمع بين الصدق والألم والضحك. بحضورها الآسر، تروي أبو فرحات حتى 16 تشرين الثاني الجاري على مسرح "La Cité" في جونيه، قصّتها بعمقٍ يلامس وجدان المشاهد، في عمل كتبته ووقعه المخرج إيلي كمال (زوجها)، يمزج ببراعة بين الفكاهة والمأساة، والبوح والتمثيل، مانحًا المُشاهد رحلة فنيّة تلامس الواقع اللبناني المليء بالمشكلات والمعوّقات اليومية.
تبدأ القصة من لحظةٍ مؤلمة عاشتها الممثلة ندى أبو فرحات، حين كانت متوجّهةً إلى سيارتها لتسليم غرضٍ لصديقتها، فسقطت في فتحة للصرف الصحّي سُرق غطاؤها. تسرد أبو فرحات على المسرح بطريقة ساخرة ومضحكة، تفاصيل تلك اللحظة القاسية التي انكسرت فيها ساقها بشكلٍ مروّع، حيث وجدت نفسها عالقة في الظلام تصرخ من دون أن يسمعها أحد، إلى أن أنقذتها سيّدة ونقلتها إلى المستشفى. من رحم هذه التجربة المؤلمة، وُلدت فكرة العرض المسرحي، إذ رفضت الممثلة الاستسلام لفترة الشلل القسري التي فرضها عليها الكسر، فاختارت أن تحوّل وجعها إلى فعلٍ إبداعي.
وفي حديثها مع "نداء الوطن"، توضح أبو فرحات أن الحادثة كانت دافعًا لتقديم قصّتها على الخشبة بأسلوبٍ يمزج بين الألم والضحك، لتجعل من تجربتها الشخصية صرخة في وجه المسؤولين ضد الإهمال واللامسؤولية والاستهتار بحياة الناس.
بين السخرية والرمزية
اختارت ندى أبو فرحات بعناية عنوان "آخدة كسرة - Break a leg" للمونولوغ الذي تقدّمه. ففي الأصل العبارة الإنكليزيّة من أكثر التعابير شيوعًا في عالم المسرح. تعود جذور المصطلح إلى تقاليد المسارح القديمة، حين كان الجمهور في لحظات الإعجاب الشديد يطرق الأرض بأقدامه بقوّة بدل التصفيق، حتى قيل إن بعض المقاعد كانت تُكسر من شدّة الحماس. ومع مرور الزمن، تحوّلت "Break a Leg" إلى تعبير عن التشجيع والتفاؤل يُقال للممثلين بمعنى: "قدّم أداءً رائعًا يهز المسرح!".
في حالة أبو فرحات، اكتسبت العبارة بُعدًا شخصيًا ساخرًا، إذ ردّدتها ممازحة مدرّبة الباليه الشهيرة جورجيت جبارة التي زارتها في المستشفى بعد الحادث. من هنا جاء العنوان "آخدة كسرة" كتلاعب ذكيّ على الكلمات. فهذه المرّة، لم تُكسر الكراسي إعجابًا بالعرض... بل انكسرت ساق الممثلة نفسها نتيجة إهمال الصيانة في البلد!
سرد وارتجال
تشرح كاتبة النص المسرحيّ ومؤدّيته ندى أبو فرحات أن عملها يقوم على أسلوب التمثيل السردي، وهو نوع من الأداء المسرحي الذي يجمع بين التمثيل والسرد الذاتي، حيث يقف الممثل أمام الجمهور راويًا تجربته الشخصية. وتلفت إلى أن النصّ رغم اعتماده على وقائع حقيقية، يترك مساحةً مفتوحة للارتجال والتفاعل المباشر مع المتفرّجين.
كلّ عرض يكتسب طابعًا خاصًّا يميّزه عن غيره. وهي، وفق ما تقول، لا ترتجل في جميع المَشاهد، لكن ثمّة لحظات تتفجّر فيها العفوية على الخشبة استجابةً لتفاعل الجمهور، فتضيف بذلك الكثير من واقعية إلى الأداء.
لم تكن الممثلة ندى أبو فرحات تدرك مسبقًا كيف سيتفاعل الجمهور مع عملٍ ينبع من تجربة شخصية مؤلمة، لكنها قدّمته بجرأة وأسلوبٍ ساخر يلامس الوجدان. وتقول إن ردّ فعل الحاضرين فاق كلّ توقعاتها، إذ تعالت الضحكات في اللحظات الكوميدية وفي المقابل عمّ الصمت في مشاهد الخوف والوجع، لتتحول الصالة إلى مساحة إنسانية تشاركية. وبذلك صار التفاعل الصادق من الجمهور بمثابة طاقة شفاء أعادتها إلى ذاتها، بحسب تعبيرها.
شراكة فنية وأسريّة
عن التعاون مع زوجها المخرج إيلي كمال، تعبّر ندى أبو فرحات عن سعادتها بهذه التجربة، واصفةً إياها بأنها مزيج من الثقة والتفاهم والحب الذي يُترجم إبداعًا على الخشبة. فالعمل مع شخص يعرفها عن قرب، على المستويَين الإنساني والفني، جعل إعداد العرض المسرحي أكثر سلاسة، فهي لم تكن بحاجة إلى الكثير من الشرح أو التوضيح. لكن بالنسبة لها، هذا النوع من التعاون لا يقتصر على كونه تجربة أسريّة، بل هو تجربة فنية كاملة تنبع من شراكة قائمة على الاحترام والثقة المتبادلة. وتضيف: "العمل مع إيلي ممتع وسلس، منوفّر وقت لأنو منعرف بعض كتير منيح". وزادت ضاحكةً: "بنصح كلّ الممثلين يشتغلوا معه!".
حادثة شخصية... قضية عامة
عرض "آخدة كسرة - Break a leg"، يتجاوز البُعد الشخصيّ ليحمل بُعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا أوسع، إذ أرادت الممثلة ندى أبو فرحات من خلاله تحويل تجربتها إلى صرخة في وجه الإهمال المستشري في لبنان. فحادثة سقوطها في حفرة مكشوفة لم تكن مجرّد حادث فردي، بل كانت رمزًا لخطرٍ يومي يتهدد حياة الناس جميعًا بسبب ظاهرة سرقة أغطية "الريغارات" المنتشرة في الشوارع من دون أي معالجة جذرية. إذًا، الهدف من العمل الفني الذي تقدّمه ليس فقط رواية ما حدث معها، بل لفت الانتباه إلى معاناة كثيرين ممن يتعرضون لحوادث مشابهة من دون أن تُسلّط الأضواء عليهم. وتضيف أن صوتها يُسمع بسبب شهرتها، لكنها تتساءل عن مصير المواطن غير المشهور الذي يقع ضحية هكذا حوادث.
خلال العرض المسرحيّ، تروي أبو فرحات أن محافظ مدينة بيروت مروان عبّود اتصل بها بعد الحادثة، لكن إصلاح الحفرة التي سقطت فيها لم يجرِ إلا بعد يومين، لتطرح تساؤلًا يحمل مرارة وقلقًا في آنٍ واحد: "ماذا عن باقي الحفر المكشوفة؟ من يهتم بها قبل أن يقع أحدهم ضحية جديدة؟".
شفاعة "سيدة إيليج"
من اللحظات المؤثرة التي عاشتها ندى أبو فرحات في تلك الليلة وغيّرت حياتها، الدَّور المصيري الذي لعبته السيّدة التي أنقذتها واسمها "إيليج" وتنحدر من منطقة تُعرف بتكريمها لـ "سيدة إيليج". الأغرب من ذلك أن أيقونة "سيدة إيليج" الشهيرة مشوَّهة في جزئها الأسفل. فما حصل يؤكد أن النور قد يأتي أحيانًا من أكثر اللحظات ظلمة.
عند سؤال أبو فرحات عن خلاصة عملها المسرحي، تجيب: "حادثة ما بتقطع"، لأن ما حصل معها لا يحصل إلا في لبنان. ورغم الطابع المحلي للحكاية، تؤكد أن رسالتها تتجاوز الحدود، كاشفةً أنها تعمل على ترجمة "المونولوغ" إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية لعرضه في الخارج.
بذلك يمكن للفن أن يتحوّل إلى مساحة للشفاء والوعي في آنٍ واحد: فمن حفرةٍ في الأرض إلى خشبة مسرح، ومن كسرٍ في القدم إلى ضحكةٍ تلامس القلب، استطاعت ندى أبو فرحات تحويل وجعها إلى عملٍ يذكّر المعنيّين بخطورة الإهمال، وبأن قوّة الإرادة تبلسم الألم.