لم تعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تشبه أي معركة عسكرية تقليدية، بل باتت أقرب إلى جولة ملاكمة مفتوحة بين خصمين مرهقين، لكن كلاهما يرفض السقوط. جولة تتطاير فيها اللكمات الثقيلة بلا توقف، وتُقابَل كل ضربة فيها بضربة أقسى، فيما تتآكل كل فرص الوساطة والتهدئة تحت وطأة التصعيد المتبادل. فالمشهد، كما ظهرت ملامحه الليلة الماضية، يكشف بوضوح أنّ الصراع دخل مرحلة جديدة: مرحلة انعدام القواعد، وانهيار الخطوط الحمراء، وارتفاع منسوب التصعيد إلى مستوى غير مسبوق.
بدأت الجولة الماضية حينما نفذت كييف عملية هجومية مركّبة داخل العمق الروسي، عملية لم تكن مجرد ضربة عسكرية، بل انعطافة استراتيجية في طبيعة الحرب كلها. فمع حلول مساء قبل أمس، حلّقت مسيّرات أوكرانية بعيدة المدى فوق منشآت النفط والمرافئ الروسية، بينما أُطلقت كييف صواريخ “لونغ نبتون” المطوّرة لاستهداف مواقع بعيدة داخل الأراضي الروسية. وكانت البداية من ميناء نوفوروسيسك، أحد أهم المرافئ النفطية لروسيا على البحر الأسود، حيث دوّى انفجار كبير تلاه تصاعد دخان كثيف من منصّات التخزين، قبل أن تنتشر حرائق داخل منشآت الوقود وتتعطل حركة تفريغ النفط وتعطل عملية الشحن. وتؤكد قيادة الأركان الأوكرانية أنّ الضربة لم تقتصر على البنى النفطية، بل طالت منظومات دفاع جوي ومواقع لوجستية تُستخدم في حماية الخط البحري الجنوبي، الأمر الذي اعتبرته موسكو استفزازاً مباشراً يطال أمنها البحري والاقتصادي في آن واحد.
وبعيداً عن الساحل، هزّت انفجارات أخرى منشآت في ساراتوف وإنغلس، حيث اشتعلت النيران في مواقع مرتبطة بخزانات الوقود والبنى التحتية للطاقة، ما كشف عن قدرة أوكرانية متزايدة في تنفيذ ضربات دقيقة في المدى الطويل. هذا التمدد في نطاق العمليات، من البحر الأسود إلى العمق الروسي، بات يشير إلى انتقال كييف نحو مرحلة هجومية أوسع تهدف إلى تقويض ملف الطاقة الروسي باعتباره شريان الحرب.
لكن موسكو، التي اعتبرت الضربة تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمراء، ردّت كما لو أنّ الجبهة تحوّلت إلى حلبة نخبوية تُسمّى فيها الضربة القاضية بـ«التدمير واسع النطاق». ففي غضون ساعات، انطلقت موجة هائلة من الطائرات المسيّرة والصواريخ (٤٤٩ مسيرة وصاروخ باليستي) نحو المدن الأوكرانية، وخصوصاً العاصمة كييف. الهجوم كان كثيفاً إلى درجة أنّ الدفاعات الجوية لم تتوقف لحظة عن العمل، بينما كانت أصوات الانفجارات تتتابع من مختلف اتجاهات العاصمة. تحدث عمدة كييف فيتالي كليتشكو عن مئات المسيّرات التي هاجمت من محاور متعددة، مستخدمة تقنيات تغيير المسارات لتضليل الرادارات، فيما رافقتها صواريخ كروز موجّهة نحو محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة.
كييف، التي كانت تحت وهج الرد الأوكراني في العمق الروسي قبل ساعات، وجدت نفسها فجأة تغوص في ظلام مناطق واسعة وتوقف التدفئة ف بسبب الضربات الروسية المتتالية على محطات الطاقة الرئيسية. تضررت أحياء كاملة، وانهارت أجزاء من مبانٍ نتيجة الضغط الانفجاري، فيما شوهدت فرق الطوارئ تعمل من دون توقف لساعات لاستيعاب حجم الأضرار. وبرغم أنّ السكان اعتادوا الهجمات خلال السنتين الماضيتين، إلا أنهم وصفوا الهجوم الأخير بأنه الأكثر عنفاً واتساعاً منذ أشهر، ليس فقط بسبب عدد المسيّرات، بل بسبب تركّز الضربات على البنى الحيوية التي يعتمد عليها الملايين للتدفئة والإنارة خلال الشتاء، وفي حصيلة قتل ٦ مدنيين وجرح اكثر من ٢٢ شخص بينهم أطفال .
في هذه الأثناء، كانت القيادة العسكرية الأوكرانية تعقد اجتماعات عاجلة لتقييم الموقف، لكن قرار الرد لم يحتج كثيراً من النقاش. فكما في لعبة الملاكمة، حين يوجه أحد الخصمين لكمة مباشرة إلى الفك، يتعين على الآخر أن يرد فوراً حتى لا يفقد توازنه. وفي خلال ساعات قليلة، أُطلقت دفعة جديدة من صواريخ “نبتون” باتجاه أهداف في القرم وسواحل البحر الأسود، وكان التركيز مرة أخرى على منشآت الطاقة ومحطات تحويل الكهرباء ومنشآت التخزين المرتبطة بإمدادات الجيش الروسي. وتظهر صور حرائق ليلية أنّ الضربات أصابت أهدافها بدقة، ما أدى إلى توقف جزئي في بعض أنظمة الطاقة واندلاع حرائق امتدت لساعات في منشآت نفطية متفرقة.
على الجبهات، لم يكن الوضع أقل سخونة من السماء الملتهبة بالصواريخ. ففي باكروفسك، تتواصل المعارك بوتيرة خانقة بعد أن دفعت روسيا بمزيد من الوحدات الهجومية لمحاولة كسر الدفاعات الأوكرانية حول المدينة. القوات الأوكرانية أعادت تموضعها في عدد من المحاور، فيما تدور أعنف الاشتباكات في الأحياء الشرقية والطرق المؤدية إلى خطوط الإمداد. وتؤكد مصادر عسكرية أن كييف تعتبر بقاء المدينة تحت سيطرتها مسألة “توازن ميداني” لا يمكن التفريط بها، على غرار ما حدث في باخموت وأفدييفكا ومارينكا.
أما في زاباروجيا، فقد تمكنت القوات الروسية من السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة على خطوط التماس، مستفيدة من التفوق الجوي الروسي في هذا القطاع ومن الضغط المستمر على المواقع الأوكرانية. إلا أنّ المكاسب الميدانية بقيت محدودة جغرافياً، رغم أهميتها الرمزية بالنسبة لموسكو التي تبحث عن تقدم ملموس قبل الشتاء. وفي محور كوبيانسك شمالاً، تتواصل المعارك في نطاقات متغيرة، مع محاولات روسية لقطع محاور لوجستية تستخدمها أوكرانيا في إعادة إمداد قواتها شرق البلاد. ورغم الضغط المتواصل، نجحت كييف في تنفيذ عمليات انسحاب تكتيكي مدروس في بعض النقاط، مع تشكيل خطوط صدّ جديدة أكثر تحصيناً.
هذا التبادل السريع للضربات الجوية بين الطرفين، الذي بات أشبه بـ«جولة ملاكمة متبادلة بلا قفّازات»، يعكس انهياراً كاملاً في أي أفق للسلام، ويعطي مؤشراً واضحاً إلى أنّ الطرفين لم يعودا يبحثان عن حلول وسطية. فكلاهما يستخدم أسلحته الاستراتيجية كأوراق ردع مباشرة: روسيا تضرب محطات الكهرباء في كييف لتدخل البلاد في العتمة قبل الشتاء، وأوكرانيا تستهدف مرافئ النفط الروسية لتجفيف شريان يموّل العمليات العسكرية. كل ضربة تحمل رسالة سياسية بقدر ما تحمل هدفاً عسكرياً، وكل تصعيد يجر تصعيداً مضاداً، في دائرة يبدو أنها ستزداد اتساعاً خلال الأسابيع المقبلة.
هذا المشهد يكشف أنّ الطرفين يعتقدان أنّ الوقت يعمل ضدهما: موسكو تخشى تراجع قدرتها على تمويل الحرب مع استمرار الضغط الدولي واستهداف المنشآت النفطية، وكييف تخشى دخول شتاء طويل في ظل انقطاع واسع للكهرباء والبنى التحتية وتذبذب الموقف الأمريكي. لذلك، لم يعد لدى أي منهما دافع لخفض التصعيد، بل على العكس، هناك إصرار على استخدام كل أداة ممكنة لتحسين الوضع التفاوضي إذا وصلت الأطراف يوماً ما إلى طاولة المحادثات. أما الآن، فإن كل ما يجري يشير إلى أن الحرب تتجه نحو فصل أكثر ضراوة، فصل يختلط فيه الدخان بالنيران، والضربات بالضربات المضادة، ولا يملك فيه أحد ترف التراجع.
وهكذا، تتضح الصورة حرب تتحول تدريجياً من نزاع حدودي إلى مواجهة استراتيجية شاملة، جولة بجولات، وضربة بضربة، تماماً كما في حلبة ملاكمة لا يعرف فيها الطرفان كيف ينهون القتال، لكنهما يعرفان جيداً أن التوقف سيعني خسارة أكبر من استمرار الضربات. وفي ظل هذا المشهد، تغيب كل ملامح السلام، ويبدو أنّ الطريق إلى وقف النار ابعد أكثر من أي وقت مضى، وربما قد يؤدي الى مشاهد أكثر دموية أيضاً.


