ألين الحاج

"سمعان القيرواني" لملحم الرياشي

الاستعداد وقبول رحلة التحوّل

3 دقائق للقراءة

"محاولة"، بهذه المفردة شاء النائب ملحم الرياشي أن يستهلّ مؤلَّفه الجديد الذي يحمل عنوان "سمعان القيرواني".

في هذا الكتاب الممتدّ على نحو 60 صفحة والصادر عن "دار سائر المشرق"، لم ينطلق السرد من قصة جديدة لدرب الجلجلة، بل ركّز المؤلّف على شخصية سمعان القيرواني، الرجل العادي الذي لم يعرفه أحد، لكنه كان مستعدًا داخليًا للّحظة التي تغيّر فيها كل شيء.


نظرة من السماء

الفصل الأول من الكتاب، وهو الأطول، يغوص في مصير سمعان القيرواني، الإنسان البسيط الذي وجد نفسه في لحظة عظيمة قلبت مسار حياته بالكامل. يُروى الفصل من منظور ملاكَي السيرافيم والشيروبيم سيرفور وشيربور، اللذين راقبا المشهد منذ وضع القدر القيرواني في طريق يسوع، وصولًا إلى القيامة.

تابع الملاكان كيف واجه القيرواني مصيره، وكيف مكّنه استعداده الداخلي من الانحناء لحمل الصليب، ليخرج من المحنة "شاهدًا" على سرّ الفداء، ويُحفر اسمه في كتب النور.

كانت نظرتهما فلسفية، ترى الحدث كرحلة للروح، حيث يفصل الموت بين الحياة الأولى والحياة الحقيقية، وقد عبّر أحدهما عن ذلك بالقول: "الموت مرحلة، والحياة بعده ليست ضمانًا… إلا إذا مرّت الروح بالصليب أولًا".


العبور

في الفصل الثاني، الأقصر بين الفصول الثلاثة، ينتقل الكاتب إلى الأرض، إلى المشهد كما اختبره القيرواني. أمام صليب لم يطلبه، يجد الرجل العادي نفسه مضطرًا لمواجهة ثقل اللحظة وغموض المصير. الاستعداد الداخلي يجعل من لحظة حمل الصليب اختبارًا للروح، لا مجرّد عبء جسدي.

يصبح القيرواني شاهدًا حيًا على الحقيقة، على معنى لا يُدرَك إلا حين يلتقي الإنسان بعمق ذاته وسرّ الفداء.

تُختصر هذه المرحلة بعبارة واحدة من هذا الفصل: "ليست الحياة في تجنب الصليب، بل في فهم ما يكشفه حين يُحمَل". 


القيامة… الخروج من الزمن

في الفصل الثالث، تخرج الحكاية من الزمن الأرضي لتدخل إلى ضوء القيامة، فيكتشف القيرواني أن ما حمله لم يكن الصليب وحده، بل سرّ الفداء ذاته، ويعي أنه وبفضل استعداده، كان يُقاد نحو حياة جديدة، نحو إدراك أعمق للحقيقة التي تتجاوز حسابات البشر.

ومن هذا الإدراك يأتي اعترافه الأخير، البسيط والعميق في آن: "وضعتُ كتفي يومًا تحت خشبك، وظننتُ أنني أساعدك… واليوم أعلم أنك أنت من حملني. فالإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بقدرته على قول نعم حين يطرق السرّ باب قلبه". 


دعوة  

في الختام، يمكن اعتبار أن الكتاب ذا النفحة الفلسفية اللاهوتية، يقدّم دعوة لكلّ إنسان ليعيش رحلة المواجهة والقبول والتحوّل. رحلة تجعل من كل تجربة صعبة وسيلة للنموّ، ومن كل مواجهة مع الموت مفتاحًا للالتقاء بالمعنى العميق لوجوده. من خلال هذه القراءة، يصبح الإنسان قادرًا على رؤية الحياة بعينَين جديدتَين، وعلى حمل عبء اللحظة بفهم ووعي يفتحان له أبواب النور والنعمة.




وضع القدر القيرواني في طريق يسوع وصولًا إلى القيامة