في عمله السينمائي الأحدث "Frankenstein"، يعود المُخرج المكسيكي Guillermo del Toro إلى أحد أكثر النصوص الأدبيّة تأثيرًا في تاريخ الرّعب والفلسفة، مُقدِّمًا معالَجة سينمائية تحمل توقيعه البصري والدرامي الخاص. لا يُقدِّم ديل تورو مُجرَّد اقتباس جديد لرواية الكاتبة البريطانيّة Mary Shelley، بل يُعيد بناء الأسطورة بوصفها مرآة معاصرة لأسئلة الإنسان عن الخلق، المعنى والحدود الأخلاقيّة للتجريب العلمي. في هذا الفيلم الذي طال انتظار شريحة واسعة من النقاد والجمهور له، يخطو ديل تورو خطوة جديدة في مشروعه الفني القائم على إعادة الاعتبار للوحوش بوصفها كائنات تبحث عن الاعتراف، أكثر ممَّا تبحث عن التخويف!
يعتمد الفيلم إطارًا سرديًا قريبًا من بُنية الرّواية، بدءًا بمشاهد القطب الشمالي التي تفتح الباب على مطاردة كبرى بين الخالق وخلقه، قبل أن يعود السّرد إلى الماضي ويكشف نقطة الانطلاق: هَوَس "فيكتور فرانكنشتاين" بالعلم وقدرته على إعادة إحياء المادَّة. وعلى الرّغم من وفاء الفيلم للخطوط العريضة للرواية، يتعامل ديل تورو معها بشيءٍ من الحريّة. إذ يُركِّز على المحطّات الجوهريّة التي تُظهر الانهيار الأخلاقي لفيكتور وتحوّل المخلوق من مولود بريء إلى كائن يُعاني من قسوة العالم، ثمّ إلى قوّة غاضبة تتحرّك بدافع الانتقام. ورغم نجاح البناء العام، يُعاني الجزء الأخير من العمل من اختزال واضح في تطوّر بعض الشخصيّات وفي وتيرة الأحداث، الأمر الذي يجعل النهاية تبدو أقلّ نضجًا مقارنة بالمقدِّمات الغنيَّة التي سبقتها. لكن هذا الضعف البنيوي لا ينتقص من قدرة الفيلم على تقديم قراءة إنسانيّة للتجربة، تستند بشكلٍ مباشر إلى تساؤلات الرّواية من دون أن تستنسخها بحرفيّة.
تفاصيل وانفعالات داخليّة
يُقدِّم Oscar Isaac واحدًا من أفضل أدواره في السّنوات الأخيرة، في تجسيد شخصية "فيكتور فرانكنشتاين". هو عالم مهووس، لكن هوسه لا يُقدَّم بصورة كاريكاتوريّة، بل يخرج من منطقة الإنسان الذي يرفض حدود الوجود ويسعى لملء الفراغ العاطفي عبر تحدّي قوانين الطبيعة. يجمع أداء آيزاك بين الغضب المكبوت، الذكاء الجاف، والإحساس الداخلي بالذنب الذي يُحاول التهرّب منه بلا جدوى.
أمّا Jacob Elordi، فيمنح شخصيّة المخلوق حضورًا استثنائيًا، يجمع بين العفويّة الطفوليّة والرَّهبة الوجوديّة. ملامح الوجه شبه الخالية من التعبير، النظرات المُطوَّلة وحركات الجسد الثقيلة، كلّها تتحوَّل إلى لغة صامتة تُترجِم عذاب مخلوقٍ وُلد من الألم ولم يجد مكانًا في العالم. القوّة في أداء إيلوردي لا تأتي من الغضب أو الوحشيّة، بل من هشاشة مخلوق يبحث عن معنى وجوده، قبل أن يتورّط في قدر لا يملك السيطرة عليه!
وتُقدِّم Mia Goth حضورًا آسرًا في دورَين، "كلير" والدة "فيكتور"، و "إليزابيث" خطيبة أخيه الأصغر، وإن كان الدّوران يفتقران إلى مزيد من التوسُّع. بينما يُضيف Christoph Waltz لمسة غموضٍ مُحبَّبة إلى الشخصيّة التي يؤدّيها، رغم أن مساحتها الدرامية تبدو أقل ممّا قد تسمح به مقدّراته.
بين القوطيّة والواقعيّة القاتمة
كما هي عادة ديل تورو، فالعنصر البصري جزءٌ جوهريّ من الدراما نفسها. يعتمد الفيلم على مزيج بين الطّابع القوطيّ واللّمسة الصناعيّة الثقيلة، ليخلق بيئة بصريّة تتأرجح بين الخيال والرّعب، وبين الشاعريّة والوحشيَّة. والإضاءة القائمة على التبايُن العالي بين الظلال والوهج الكهربائي، تُضيف بُعدًا رمزيًّا لصراع الحياة والموت المبنيّ عليه الفيلم.
تصميم المخلوق يُعدّ أحد أبرز عناصر القوّة في العمل. بعيدًا من الصورة السينمائيّة التقليديّة للوحش ذي الرأس المُربَّع، يعود ديل تورو إلى جوهر وصف ماري شيلي: كائن طويل، شاحب، ناقص في تفصيلاته، وكأنه لم يكتمل. النُّدوب وخياطات الجسد ليست زينة رُعبيّة، بل مفاتيح قراءة لشخصيّة مكسورة منذ لحظة ولادتها. اعتماد الفريق على المؤثرات العمليّة، يُكسب المُشاهد إحساسًا عضويًّا ويُعطي حضورًا حقيقيًا للمخلوق أمام الكاميرا. الديكورات والأزياء، بدورها، تُكمل هذا العالم الغارق في القسوة والصّمت. من المختبرات المملوءة بالنحاس والزجاج، إلى الغابات الضبابيّة والبيوت الخشبيّة المُتداعية، تبدو كلّ قطعة في المشهد جزءًا محسوبًا من منظومة جماليّة تعمل على خلق تجربة فريدة.
يُجدّد المؤلّف الموسيقي الفرنسي Alexandre Desplat تعاونه للمرَّة الثالثة مع ديل تورو، ليقود الموسيقى التصويريّة بمنهجٍ يجمع بين البساطة والقلق الداخلي. الأوتار الناعمة التي تُرافق اللحظات الأولى للمخلوق، تتحوّل تدريجيًا إلى مقطوعاتٍ ثقيلةٍ تواكب تصاعد الاضطراب النفسي. ونشعر أن في الموسيقى صوتًا غير منطوق لمُعاناة الشخصيَّتَين الرئيسيَّتَين. كما ينجح تصميم الصوت في تعزيز عالم الفيلم. من طقطقة الكهرباء، إلى أنفاس المخلوق الثقيلة، ووقع الخطوات داخل الممرّات الحجريّة… كلّها عناصر تخلق إحساسًا بالاقتراب من كائن لا يعرف نفسه ومن عالمٍ على وشك الانهيار.
جدليّة الخلق والخطيئة والآخر
يعود ديل تورو إلى الأسئلة التي جعلت رواية "فرانكنشتاين" واحدة من أهم أعمال الأدب الغربي: هل يملك الإنسان الحق في مُحاكاة فعل الخلق؟ وإذا نجح في ذلك، ما هي مسؤوليّاته الأخلاقيّة تجاه ما خلقه؟
"فيكتور فرانكنشتاين"، كما يرسمه الفيلم، ليس مجرّد عالِم متهوّر، بل هو رمز لإنسان يهرب من نواقصه بالصّعود فوق حدود الطّبيعة. أمّا المخلوق، فهو المرآة التي تعكس كلّ ما ينكره "فيكتور"، في ضعفه، وأنانيّته، وعجزه عن الحُبّ. ومن خلال هذا الصّراع، يطرح الفيلم سؤالًا وجوديًّا أبعد من إطار الرّعب: من هو الوحش الحقيقي؟. كما يُعالج الفيلم موضوع "الآخر" في المُجتمعات البشريَّة. فنبذ المخلوق والخوف منه والاعتداء عليه، ليست سوى صورة لرهاب الإنسان من المُختلِف، ولعجز المجتمع عن احتواء مَن يخرج عن المألوف.
وهنا يقترب ديل تورو بأدوات العصر من رسالة ماري شيلي، لكنه يُحمّلها أبعادًا إنسانية ووجدانية تتوافق مع حساسيّته السينمائيّة. تُقدّم النسخة الجديدة من "Frankenstein" تجربة سينمائية طموحة وثريّة، تجمع بين الدراما النفسيّة والرعب القوطيّ، وبين الأسئلة الفلسفيّة والبناء البصري المُتقن. ومع أن الفيلم يُعاني من بعض التسرُّع في خواتيمه، ومن تطوّر غير مُكتمل لبعض الشخصيّات الجانبيّة، إلّا أن ما يُقدّمه من قوّة أداء وثراء بصريّ، وعمق موضوعي، يجعله أحد أبرز أعمال ديل تورو خلال السنوات الأخيرة، وربّما أحد أفضل الاقتباسات المُعاصِرة للرواية. لا يكتفي الفيلم بإعادة تقديم الوحش، بل يُعيد طرح سؤال الإنسانيّة ذاته على المُشاهد. ومع كلّ مشهد، يهمس العمل بأن أسوأ ما يمكن أن يخلقه الإنسان ليس جسدًا مُشوَّهًا، بل مسؤولية مُهمَلَة، وقلبًا غير قادر على التحمُّل!
فيلم يستحق المُشاهدة في صالة السّينما، إلّا أن إطلاقهُ جرى حصريًّا عبر منصّة الشركة المُنتِجة: "Netflix".