تأتي زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، في شقّيها التركي واللبناني، كرسالة سماوية إلى مسيحيّي الشرق والعالم، وإلى كل شركائنا في الوطن. فهي ليست محطة رعوية فحسب، بل حدثٌ تاريخيّ يعيد التأكيد على معنى الوجود المسيحي الحر والفاعل في هذه الأرض، وعلى الدور الذي يؤديه لبنان في حماية هذا الحضور وصونه.
في محطته الأولى، يحتفل قداسته بذكرى 1700 سنة على إعلان مجمع نيقية الاول عام 325، ذلك الحدث الذي التقت حوله الكنائس بمختلف انتماءاتها، وتوحّد المسيحيون على إيمانهم بالله الواحد الخالق كل شيء، وبابنه يسوع المسيح "المولود غير المخلوق". وإن استعادة هذا المجمع اليوم، في زمن الانقسام والاضطراب، تحمل دلالات روحية وسياسية، وتؤكد الحاجة إلى وحدة الشهادة في مواجهة الصعاب.
أما المحطة الثانية من الزيارة، فهي الأكثر رسوخاً في وجدان اللبنانيين: "لبنان"، هذا الوطن الذي خصّه البابا القديس يوحنا بولس الثاني عام 1997 بمبادرة فريدة وربما إستثنائية بأن أعلن إرشاداً رسولياً مخصصاً له وحده وكان بعنوان "رجاء جديد من أجل لبنان"، حيث أكّد البابا القديس بأن لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة، ودعا يومها إلى تثبيت الحضور المسيحي في الشرق وشجّع الشباب على التمسك بأرضهم وتحمل مسؤولياتهم الوطنية.
وفي العام 2012، اختار البابا بندكتوس السادس عشر أيضاً لبنان ليوقّع على الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط"، متحديًا العواصف والحروب التي دمّرت المنطقة، وحمّل لبنان دوراً محورياً في حماية التعددية وصون العيش المشترك.
واليوم، تتجدد هذه الرسالة مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر في لحظة مصيرية، فيما تتسارع موجات الهجرة ويميل الشرق أكثر فأكثر نحو الفراغ المسيحي، يأتي البابا ليقول بصوت حازم وثابت "لا تخافوا" ، كأنما به يدعونا الى أن نشبث بإيماننا، بأرضنا، بإنتمائنا والأهمّ بشهادتنا التي هي جوهر وجودنا، لأن قداسته يعلم إننا لسنا طارئين على هذه الأرض، ولسنا جماعة عابرة، بل نحنُ أبناء هذه الأرض الأصليين، مجبولة بدماء شهدائنا وأجدادنا وجداتنا وصلوات قديسي لبنان وطوباوييه من القديسة بربارة البعلبكية والبطريرك الماروني الشهيد جبرائيل حجولا الى المطران السرياني الطوباوي مار فلابيانوس ملكي وليس انتهاء بالقديس الارمني اغناطيوس مالويان والاخوة المسابكيين الموارنة، والقديس الاورثوذكسي الاب الشهيد يوسف الحداد الدمشقي الى الاب الكاثوليكي المكرم بشارة ابو مراد والطوباوي ابونا يعقوب الكبوشي، وما بينهم ومن سيأتي بعدهم دون أن ننسى شربل ورفقا والحرديني.
ونسألُ بعد لِمَ لبنان؟ لأنّه محور الحضور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمسيحيين في الشرق، لأنه النموذج الوحيد للعيش معاً، رغم كل ما شُوّه من تجربته على يد بعض أبنائه، ولأنه المكان الذي لا تزال فيه التعددية ممكنة والحرية قائمة والإنسان محور النظام.
نحن مسيحيو لبنان، أبناء هذه الأرض المقدسة، نؤمن بأن وجودنا هنا ليس بالصدفة بل انه رسالة، مسؤوليتنا تاريخية: إما أن نكون أمناء لهذه الرسالة، وإما أن نتسبب نحنُ بأنفسنا باندثار الحضور المسيحي في الشرق كله.
أعتقدُ حقاً إن زيارة قداسة البابا الى لبنان تتخطى الأهداف الرعوية والديبلوماسية، إنها دعوة، بل إنها صرخة رجاء، كي يبقى لبنان أرض الرسالة، ويبقى المسيحيون جذوراً حيّة لا تُقتلع، وصوتاً حراً لا يُخمد، وشعباً اختار الصمود لا الهرب، والشهادة لا الغياب.
وفي الختام، المسؤولية التاريخية مُلقاة على عاتقنا، إمّا أن نكون مستحقين هذا الإرث الكبير وهذه الوزنات مع كل تحدياتها وإمّا أن ندخل ونُدخل معنا الحضور المسيحي في هذا الشرق غياهب الزمان والنسيان.