المحامي إميل عون

الوجود السوري في لبنان: قراءة قانونية

12 دقيقة للقراءة

تواجه الدولة اللبنانية تحديًا ديموغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وبيئيًا هو الأخطر في تاريخها الحديث، نتيجة استمرار وجود مئات آلاف السوريين الذين دخلوا الاراضي اللبنانية في إطار النزاع السوري ابتداءً من العام 2011. من هذا المنطلق، تطرح هذه الدراسة القانونية بإيجاز مسألة وجود السوريين في لبنان في أربع نقاط أساسية:

1- المبادئ العامة في القانون الدولي العام التي ترعى وجود شعب أجنبي في اقليم دولة ما:

يعد انتهاكًا للسيادة الإقليمية للدولة المضيفة عندما يتواجد شعب أجنبي في إقليم دولة ما دون موافقة السلطات الشرعية، فميثاق الأمم المتحدة (1)  يحمي سيادة الدول على أراضيها وسكانها، وهي تعني سلطة الدولة المطلقة على إقليمها وسكانها، وهذا ما كرسته منذ وقت طويل معاهدة "مونتيفيديو" لسنة 1933.

من هنا، أي وجود بشري جماعي يوصف بكونه شعبًا أجنبيًا في إقليم دولة ما، إذا تم من دون موافقة سلطاتها الشرعية أو سكانها، يعد وجودًا غير مشروع من منظور القانون الدولي، وهذا الأخير لا يمنح أي شعب أجنبي الحق بالوجود في دولة أخرى دون موافقة تلك الدولة. وللمفارقة مبدأ حق تقرير المصير يمارس فقط على شعب يعيش في إقليمه الأصلي، وليس على أرض دولة أخرى بغير موافقتها. وإذا تبين أن هذا الوجود منظم ومدعوم من طرف خارجي بهدف تغيير الواقع الديموغرافي والسياسي للدولة المضيفة وبالتالي تغيير البنية السكانية أو الهوية الوطنية للدولة، يصف القانون الدولي ذلك بالاحتلال الديموغرافي (2)، ونجد هذا التوصيف القانوني في متن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). وبصورة عامة، يمكن ان نعتبر قانونًا أن أية هجرة غير مشروعة جماعية إذا كان الدخول فيها فرديًا أو جماعيًا دون سند قانوني أو اعتراف رسمي، بعد زوال أسباب الحماية الدولية، تتحول الى اقامة غير قانونية. قد يظهر هذا الوضع عند تحول صفة اللاجئين أو النازحين، بعد انتهاء الأسباب التي بررت وجودهم (3)، فمبدأ عدم الإعادة القسرية (4)  يحمي اللاجئ ما دام خطر الاضطهاد قائمًا بحسب المادة 33 لاتفاقية جنيف للاجئين. لكن بزوال هذا الخطر، يصبح استمرار وجودهم دون تسوية قانونية بمثابة إقامة غير مشروعة تخضع لتقدير الدولة المضيفة. وهنا نعطي مثل محكمة العدل الدولية في قضية ناميبيا (5) التي اعتبرت فيها أن أي وجود أجنبي في إقليم ما من دون سند قانوني هو وجود غير مشروع، ويترتب على الدول واجب عدم الاعتراف به. والجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت في قرارات متكررة (6) أنه "لا يجوز اخضاع شعب أجنبي لإقامة قسرية أو حرمان الدولة من سيادتها على إقليمها".

2- الموقف القانوني-السياسي للبنان بعد اندلاع الحرب السورية ابتداء من 2011 تجاه واقع تدفق السوريين إلى الاراضي اللبنانية:

من منظور القانون اللبناني، لبنان ليس طرفًا في اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين ولا في بروتوكول 1967، وبالتالي لم يلتزم بالاعتراف بصفة "لاجئ" بالمعنى الدولي. وتنظم التشريعات اللبنانية (7) وضع الأجانب، وتخضعهم لشرط الحصول على إقامة شرعية. أما بالنسبة للسوريين الذين دخلوا جماعيا" منذ 2011، فلقد سموا رسميا" "نازحين" (Displaced)، وليس "لاجئين" ((Refugees، وذلك بقرار سياسي - قانوني لتجنب إعطائهم أي حقوق دائمة أو شبه دائمة. ومنذ 2015، ألزمت الدولة اللبنانية السوريين بتصنيفات إدارية للإقامة (عمل، دراسة، كفيل...) واعتبرت أن من لا يستوفي الشروط موجود بشكل غير شرعي. أما الموقف القانوني الرسمي الحالي، فهو أن معظم السوريين الموجودين اليوم بلا إقامة سارية هم أجانب مخالفون لقانون الإقامة، ويجوز قانونًا للدولة ترحيلهم أو تنظيم خروجهم. من منظور القانون الدولي، رغم أن لبنان ليس طرفًا في اتفاقية 1951، إلا أنه يبقى ملتزمًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية في حال ثبوته باعتباره جزءًا من القانون الدولي العرفي. هذا يعني أنه لا يمكن ترحيل فرد إلى سوريا إذا كان يواجه خطر اضطهاد فردي أو تهديد مباشر لحياته. أما مع تغير الوضع في سوريا في ظل الحكم الجديد، للبنان أن يعتبر أن أسباب اللجوء الجماعي زالت، وبالتالي لم يعد للسوريين في أقصى التوصيفات القانونية صفة "لاجئ" في لبنان، والقانون الدولي يسمح للبنان أن ينظم وجودهم كأجانب مؤقتين، ويضع خططا" لاعادتهم، بمعنى أن الوجود السوري هو نزوح جماعي غير شرعي بعد زوال أسباب الحرب، وبالتالي يحق للبنان قانونًا أن يضع خطة وطنية لاعادتهم بالتعاون مع الامم المتحدة وسوريا. أما النقطة الجوهرية في موضوع توصيف اللجوء، فتعالجه اتفاقية جنيف للاجئين (1951) في المادة 1 فقرة ج عندما تحدّد حالات سقوط صفة اللاجئ (Cessation Clause)، ومنها إذا عاد الشخص طوعًا ليستظل بحماية بلده الأصلي، كما إذا زالت الظروف التي أدت إلى الاعتراف به كلاجئ، بالتالي بانتهاء هذه الصفة، يفقد الشخص الحماية الدولية الخاصة باللاجئين وخصوصًا مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهذا هو الوضع الحالي لوجود السوريين في لبنان بعد انتهاء الحرب وقيام حكم جديد. فاستمرار وجود هؤلاء الأشخاص في الدولة المضيفة يتحول من إقامة محمية دوليًا إلى إقامة عادية تخضع حصرًا لقانون الدولة المضيفة. فإذا رفضت الدولة المضيفة بقاءهم، يصبح وجودهم إقامة غير مشروعة. ومن منظور القانون الدولي العام كما أشرنا سابقًا، هذا الوضع يعتبر انتهاكًا لسيادة الدولة إذا تم بغير موافقتها، لأن الدولة وحدها تملك الحق في تحديد من يقيم على إقليمها، وهنا أستشهد بمضمون قرار محكمة العدل الدولية في قضية نوتبوم (8)  لجهة أن سيادة الدولة تشمل تنظيم دخول الأجانب وخروجهم.

3- عودة السوريين:

اذا ارادت الدولة اللبنانية ترحيل السوريين من لبنان وفقا" لخطة معينة واستنادا" للقانون الدولي، للبنان مثل أي دولة، حق سيادي كامل في تنظيم دخول وإقامة وخروج الأجانب (قضية Nottebohm)، وبما أن معظم السوريين فقدوا صفة اللاجئ في أقصى الحالات اذا سلمنا جدلاً بصفة اللاجئ هذه (9) ، يحق للبنان أن يقرر ترحيلهم أو إنهاء إقامتهم، وعند تنفيذه لخطة الترحيل، عليه احترام التزامات أساسية في القانون الدولي كمبدأ عدم الإعادة القسرية كما أشرنا آنفًا بمعنى أنه لا يجوز ترحيل أي فرد يواجه خطرًا شخصيًا محددًا بالاضطهاد أو التعذيب. لكن هذا المبدأ يطبق فرديًا لا جماعيًا. أي يجب فحص كل حالة على حدة. الترحيل يجب أن يتم بكرامة، دون معاملة قاسية أو مهينة، ومن حق الفرد الاعتراض على قرار ترحيله أمام جهة قضائية أو إدارية مختصة على ان يتزود بالاثبات القاطع على وجود الخطر بالاضطهاد أو التعذيب في سوريا.

تبقى السيناريوهات الممكنة المطروحة للعودة ثلاثة، العودة الطوعية (Voluntary Repatriation) وتكون بالتنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) وهي أقل كلفة سياسيًا وقانونيًا.

العودة المنظمة (Organized Return)، وتكون عبر اتفاق ثنائي مع سوريا يحدد الآليات والجدول الزمني. والترحيل الإجباري (Forced Return) وهو خيار سيادي في حال الرفض الجماعي، ويجب أن يتم فرديا" مع احترام مبدأ عدم القسرية.

كخلاصة، الحل الأكثر أمانًا هو الجمع بين العودة الطوعية والاتفاقات الثنائية مع سوريا، مع الاحتفاظ بخيار الترحيل الإجباري الفردي عند الاقتضاء.

4- خطة العودة:

مع العلم ان الأمن العام اللبناني أطلق برامج عودة طوعية منظمة بدأت منذ 2017، أطلقت خطة بين UNHCR وIOM والحكومة اللبنانية في صيف 2025 (تموز الى أيلول) وهي ليست خطة شاملة ونهائية لعودة جميع السوريين، بل هي مرحلة تجريبية ومحدودة المدة وقد حدد البرنامج الذاتي للعودة الطوعية بثلاثة أشهر (من 1 تموز حتى نهاية أيلول 2025) كمبادرة أولية بهدف معلن وهو اختبار الآلية وتقييم الاستجابة، ثم توسيعها لاحقًا إذا أثبتت نجاحها، خاصة وأن لبنان يطمح لعودة ما بين 200,000 – 400,000 شخص خلال 2025. وبالتالي، فان هذه الخطة أقرب إلى إطار زمني تجريبي قصير الأمد، وليست سياسة مستدامة أو حل نهائي لمسألة الوجود السوري في لبنان. ندرج بعض التفاصيل، يقدم مثلًا البرنامج الذاتي للعودة الطوعية مساعدة نقدية قدرها 100 دولار لكل فرد للمساعدة على ترتيب العودة عبر المعابر الرسمية، وتعطى إرشادات قبل العودة تتعلق بإجراءات الخروج والوثائق الضرورية والتخطيط للعودة، كما أصدرت السلطات اللبنانية، من خلال الأمن العام، تعليمات خاصة للفترات من تموز حتى ايلول 2025 تسمح بالخروج دون دفع رسوم أو فرض حظر إعادة دخول. تم تشكيل لجنة وزارية تضم وزارات الداخلية، الخارجية، الدفاع، والشؤون الاجتماعية بقيادة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري لمتابعة تنفيذ الخطة بالتنسيق مع الجانب السوري .

أهم المؤشرات والارقام حتى الآن وهي بشكل عام متضاربة وغير واضحة:

حسب تقديرات المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين (10)  UNHCR ، ومنذ 8 كانون الاول 2024 وفي تحديث لشهري حزيران وتموز 2025، عاد 199،204 سوريًا الى سوريا من أو عبر لبنان (11)، ولكن يتبين من نفس المرجع أي صفحة UNHCR المذكورة وفي نفس الخانة، أن 108،032 وافدًا جديدًا من سوريا دخلوا أيضًا الى لبنان منذ 8 كانون الاول 2024 حتى 30 حزيران 2025. والجدير بالاشارة اننا لا نعلم ما اذا كانت هذه العودة بمثابة زيارات مؤقتة وليست عودة دائمة (12)، بمعنى انه يمكن لهؤلاء العائدين أن لا يكونوا مقيمين دائمين بعد العودة وبعضهم قد يكون قد عاد لفترة مؤقتة. من جهة الحكومة اللبنانية، وفي مرجع يحمل تاريخ 30 تشرين الاول 2025 (13)، فلقد أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن 320،000 سوري قد عادوا الى بلدهم "في اطار برنامج العودة المنظمة تم اطلاقه في تموز 2025". أما وفي مرجع آخر للمفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين (14)  UNHCR، تم ادراج أرقام جديدة بتاريخ 31 آب 2025، فقد عاد 272،135 سوريًا الى سوريا من أو عبر لبنان، ودخل 97،627 وافدًا جديدًا من سوريا الى لبنان منذ 8 كانون الاول 2024. وفي تحديث آخر (15)، نرى أرقامًا جديدة بتاريخ 31 تشرين الاول 2025، فقد عاد 383،326 سوريًا الى سوريا من أو عبر لبنان، ودخل 106،491 وافدًا جديدًا من سوريا الى لبنان منذ 8 كانون الاول 2024. أما في مرجع آخر (16)، وبحسب تقديرات الحكومة اللبنانية، وحتى تاريخ 30 ايلول 2025، دخل منذ كانون الاول 2024، 120،000 وافد من سوريا الى لبنان. والجدير بالذكر مجددًا أن لا شيء يثبت أن عودة السوريين التي تجري هي عودة دائمة وقد تكون زيارات مؤقتة كما جرت العادة حتى في أيام حكم نظام بشار الاسد، كما لا نعلم على أي أساس قانوني أو غير قانوني دخل ويدخل الوافدون الجدد من سوريا الى لبنان وما اذا كان الدخول يتم عبر المرافئ الشرعية أم لا. فخلاصة ما سبق هو ان الخطة الحالية هي مرحلة تجريبية قصيرة المدة، ذات طابع طوعي فقط، بدون أي إلزام أو ترحيل قسري. عيوبها أنها مؤقتة، جزئية، لا تشمل كل لبنان، ولم ينتج عنها الا عودة ضئيلة ولا تعالج جذور المشكلة بمجرد الوجود المستمر لـ1،3 الى 1،5 مليون سوري على الاراضي اللبنانية.

المطلوب الآن بصورة واضحة ومباشرة خطة وطنية شاملة متوسطة الأمد، اي خطة لـ 3–5 سنوات بحدها الاقصى، ذات طابع يمزج بين العودة الطوعية المنظمة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه الاوضاع غير الشرعية (كالإقامات المنتهية، رفض العودة الطوعية) تتحمل فيها الدولة اللبنانية بكل أجهزتها مسؤولياتها بصورة جدية وتطبق القوانين اللبنانية النافذة بصورة حازمة كقوانين دخول واقامة وخروج الاجانب من والى لبنان وقوانين العمل والتجارة والسير وغيرها، كما من الاساسي تحديث قاعدة بيانات شاملة للسوريين الموجودين في لبنان، ونشر المعلومات والارقام بشكل دقيق للجمهور بما يتعلق بالعودة والتنسيق بين الدولة اللبنانية والمنظمات المعنية على مضمون حقيقي مشترك وابرام اتفاقيات ثنائية مع سوريا تضمن التنسيق الأمني والقانوني واللوجستي. ويبقى الهدف هو التخفيف التدريجي للعبء الديموغرافي والاقتصادي، وإعادة ضبط وضع السوريين في لبنان ضمن إطار قانوني، ورفض أي توطين أو دمج دائم واعتبار العودة إلى سوريا هي الحل الوحيد المستدام.

لا حاجة نهاية، الى أن ندق ناقوس الخطر بالنسبة لهول الضغط الديموغرافي غير المشروع للسوريين الموجودين حاليًا في لبنان، وللوعي المتقدم المطلوب لدى الدولة والشعب اللبناني نظرًا لما يمكن أن يشكله هذا الواقع من تغيير قسري في البنية السكانية للمجتمع اللبناني، وهو ما يتعارض قانونًا مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي        


1 المادة 2 - فقرة 1 و7


2 Demographic occupation


3 كالحرب أو الاضطهاد بحسب المادة 1 فقرة ج لاتفاقية جنيف للاجئين لسنة 1951


4 Non-refoulement


5 1971


6 مثل القرار 2625/1970 حول العلاقات الودية


7 الدخول إلى لبنان والإقامة والخروج منه – قانون 10 تموز 1962 ومرسوم اشتراعي 18 ايلول 1964


8 قرار محكمة العدل الدولية لسنة 1955 في قضية نوتبوم- ليشتينشتاين ضد غواتيمالا


9 وفقا" للمادة 1 فقرة (ج) من اتفاقية اللاجئين لسنة 1951


10 https://www.unhcr.org/lb/media/unhcr-lebanon-monthly-update-june-july-2025


11 لا نعلم التحديد الدقيق لعبارة "من أو عبر لبنان" لأنه لا يميز بين العودة الدائمة والعودة المؤقتة


12 https://euaa.europa.eu/coi/syria/2025/country-focus/4-returnees-abroad/42-return-trends


13

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/lebanon-says-320-000-syrian-refugees-returned-home-since-july/3731215


14 https://reliefweb.int/report/lebanon/lebanon-syrian-returns-movements-snapshot-31-august-2025


15 https://reliefweb.int/report/lebanon/lebanon-syrian-returns-movements-snapshot-31-october-2025


16 https://data.unhcr.org/en/situations/syria/location/71