من السهل اليوم، وبعد الانهيار الكبير الذي أصاب لبنان، إعادة كتابة التاريخ بطريقة ملتوية وتحميل جهة واحدة مسؤولية ما جرى، وكأنّ البلاد كانت قبل عام 2016 تعيش في نعيم سياسي وسيادي واقتصادي. لكن الوقائع تبقى أقوى من حملات التبسيط والتضليل.
ففي الاستحقاق الرئاسي يومها، لم يكن الخيار قائماً بين ميشال عون ومرشّح سيادي إصلاحي مستقل، بل كان محصوراً عملياً بين ميشال عون وسليمان فرنجية، أي بين مرشّحين ينتميان إلى الخط السياسي نفسه، ويدوران في فلك محور 8 آذار وخياراته الاستراتيجية. وبالتالي، فإن تصوير الأمر وكأنّ لبنان أُسقط من "الجنّة" إلى "جهنّم" فقط لأن "القوّات اللبنانيّة" دعمت عون، هو تجاهل متعمّد لحقيقة التوازنات السياسية القائمة آنذاك.
والأهم أنّ "اتفاق معراب" حصل في 18 كانون الثاني 2016، فيما لم يُنتخب ميشال عون رئيساً للجمهورية إلا في 31 تشرين الأول 2016، أي بعد أكثر من تسعة أشهر كاملة. وهذا وحده كافٍ لإثبات أنّ مرشّح "حزب الله" الحقيقي لم يكن ميشال عون بقدر ما كان الفراغ الرئاسي نفسه، باعتباره وسيلة لإسقاط ما تبقّى من الدولة ومؤسساتها وفرض موازين قوى جديدة على الجميع. فلو كان المطلوب فعلاً انتخاب رئيس فقط، لكان عون انتُخب فور إعلان "اتفاق معراب"، لا بعد تسعة أشهر من التعطيل والمماطلة.
الأهم أيضاً، أنّ "القوات اللبنانية" كانت تمثّل في تلك المرحلة 8 نواب فقط من أصل 128 نائباً في المجلس النيابي. فكيف يمكن لفريق بهذا الحجم أن يُحمَّل وحده مسؤولية إيصال رئيس للجمهورية أو مسؤولية الانهيار الكامل الذي أصاب الدولة؟ وأين كانت القوى السياسية الأخرى التي شاركت في التسوية، وانتخبت، وغطّت، وشاركت في الحكومات المتعاقبة؟
ثمّ، ما الذي كان سيختلف فعلياً لو وصل سليمان فرنجية بدل ميشال عون؟ وهل كان فرنجية سيقود مواجهة مع "حزب الله" أو يغيّر التموضع الإقليمي للبنان أو يمنع تمدّد نفوذ الممانعة داخل الدولة؟ أم أنّ البعض يحاول اليوم تسويق فرضية وهمية عنوانها أنّ فرنجية كان سيكون "المنقذ"، فقط لتبرئة نفسه من خياراته السابقة وإلقاء المسؤولية على الآخرين؟
واللافت أنّ بعض من يهاجمون "اتفاق معراب" اليوم كانوا أنفسهم قد تبنّوا ترشيح سليمان فرنجية بالكامل، وأقاموا له مآدب الغداء في لبنان والخارج، وسوّقوا اسمه لدى فرنسا وبعض الدول العربية، باعتباره مرشّح المرحلة. لكن هذا الخيار سقط لأن فرنجية لم يكن يملك التمثيل المسيحي والشعبي الذي كان يملكه ميشال عون، الذي كان يومها يرأس أكبر كتلة مسيحية ونيابية في لبنان. وبالتالي، فإنّ الوقائع السياسية والدستورية والشعبية هي التي فرضت نفسها، لا الروايات التي تُفصَّل اليوم على قياس الخصومات السياسية.
الحقيقة التي يحاول كثيرون القفز فوقها، أنّ أزمة لبنان لم تبدأ مع "اتفاق معراب"، بل مع مشروع السلاح غير الشرعي، وضرب الدولة، وتعطيل المؤسسات، وربط لبنان بالمحاور الإقليمية. وهذا المشروع كان قائماً قبل انتخاب عون، وكان سيبقى قائماً لو انتُخب فرنجية.
أما تحميل "معراب" مسؤولية الانهيار الذي نتج عن عهد ميشال عون، فليس سوى محاولة لتزوير الوقائع والهروب من المسؤوليات الحقيقية، وفي مقدّمها أنّ أحدهم قرّر يومها الإرتماء، مع كتلته النيابية، في أحضان "محور الممانعة" طمعاً بمواقع زائلة ورضى وهمي. فكانت النتيجة أنّه خسر نفسه وموقعه وكتلته، والأخطر أنّه ساهم في خسارة لبنان، ليجد نفسه اليوم على هامش المشهد السياسي، بخيار اتّخذه بنفسه وكتبه بخط يده... والسلام.