بن سلمان في واشنطن لصياغة نظام إقليمي جديد

5 دقائق للقراءة
ترتكز العلاقة الأميركية - السعودية على الكثير من المصالح المشتركة (رويترز)

مع أفول نجم إمبراطورية ملالي طهران إثر الهزائم العسكرية الطاحنة التي تعرّضت لها خلال العامين الماضيين، بدأت ملامح النظام الإقليمي الذي سيحكم "الشرق الأوسط الجديد" بالتبلور بناء على رؤية مختلفة عمّا سبق أن عرفته المنطقة منذ قيام الدول الوطنية فيها، إذ تبيّن أن عقودًا من التعبئة الأيديولوجية على أشكالها وأنواعها، للمجتمعات العربية والإسلامية، وإقحامها في حروب لامتناهية وغير متكافئة، لم تجلب على تلك المجتمعات سوى الدمار والفقر والفساد والتخلّف والتطرّف، الأمر الذي فهمته قيادة الدول الخليجية ونجحت في تجنبه عبر تبني رؤية واقعية تعتمد على صياغة سياساتها الداخلية والخارجية استنادًا إلى مدى تحقيق تلك السياسات الازدهار والرفاهية لمواطنيها والتطوّر والتنمية لأوطانها. انطلاقًا من ذلك، تسعى الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إلى تعميق علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع أميركا، التي تشكّل الشراكة معها حجر أساس ميزان القوى الجديد الذي سيحدّد مسار المنطقة ومصيرها.

في هذا الإطار، يزور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أطلق خلال أقل من عقد ثورة اجتماعية لم تشهدها السعودية منذ تأسيسها، البيت الأبيض اليوم، لإجراء محادثات مع الرئيس دونالد ترامب، تهدف إلى تعزيز التعاون القائم منذ عقود في قطاعَي النفط والأمن، فضلًا عن توسيع العلاقات في التجارة والتكنولوجيا، وربّما حتى الطاقة النووية. منذ البداية، صاغ الأمير الشاب مهمّته بعبارات جريئة، إذ شدّد عام 2017 بعدما أصبح ولي العهد على أن "70 في المئة من الشعب السعودي يبلغ أقل من 30 سنة، وأقولها بكلّ صراحة: لن نضيّع بقية حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرّفة"، متعهّدًا العودة إلى "الإسلام الوسطي المعتدل".

يسعى ترامب إلى الاستفادة من التعهّد السعودي باستثمارات بقيمة 600 مليار دولار، الذي أُعلن خلال زيارة الرئيس الأميركي إلى المملكة في أيار الماضي، بينما يحاول بن سلمان الحصول على ضمانات أمنية وسط الاضطرابات الإقليمية، كما يرغب في الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتقدّم نحو اتفاق في شأن برنامج نووي مدنيّ. وفيما يوجد ترتيب قائم منذ فترة بعيدة بين أميركا والسعودية يقضي بأن تبيع المملكة النفط بأسعار تفضيلية وأن توفر القوة العظمى الأمن في المقابل، اختلّت هذه المعادلة بسبب عدم تحرّك واشنطن عندما ضربت إيران منشآت نفطية في المملكة عام 2019. وعادت المخاوف إلى الظهور في أيلول الماضي عندما نفذت إسرائيل هجومًا في الدوحة استهدف قادة حركة "حماس".

في أعقاب ذلك، وقع ترامب اتفاقًا دفاعيًا مع قطر بموجب أمر تنفيذي، الأمر الذي يعتقد عدد من المحلّلين والدبلوماسيين والمسؤولين الإقليميين أن السعوديين سيحصلون على شيء مماثل له. وكانت السعودية تسعى إلى إبرام اتفاقية دفاعية يصادق عليها الكونغرس الأميركي في المفاوضات الأحدث، إلّا أن واشنطن جعلت ذلك مشروطًا بتطبيع المملكة علاقاتها مع إسرائيل، غير أن الرياض تربط ذلك بالتزام الحكومة الإسرائيلية إقامة دولة فلسطينية، في حين جدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد معارضته الشديدة للدولة الفلسطينية.

وتوقع دينيس روس، وهو مفاوض سابق لشؤون الشرق الأوسط لإدارات من الحزبَين الديمقراطي والجمهوري ويعمل الآن في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، صدور أمر تنفيذي يدعو أميركا والسعوديين إلى "التشاور الفوري حول ما يجب القيام به ردًا على أي تهديد"، من دون إلزام واشنطن بالمسارعة بشكل فعلي للدفاع عن الرياض. وأوضح أنه "يمكن أن يتراوح النطاق بين تقديم مجموعة من المساعدات المختلفة واستبدال الأسلحة ونشر بطاريات صواريخ دفاعية مثل "ثاد" أو "باتريوت" ونشر قوات بحرية مع وحدة من مشاة البحرية، إلى المشاركة الفعلية في القتال بطريقة هجومية وليس دفاعية فقط".

كذلك، تضغط الرياض من أجل إبرام صفقات في مجال الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي في إطار خطتها الطموحة "رؤية 2030" لتنويع اقتصادها وتعزيز مكانتها مقارنة بمنافسيها الإقليميين. وسيكون الحصول على موافقة تتعلّق بالرقائق الحاسوبية المتطوّرة أمرًا بالغ الأهمية لخطط المملكة لتصبح حلقة مركزية في مجال الذكاء الاصطناعي العالمي. واعتبر الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بول سالم أن "الذكاء الاصطناعي هو نفط القرن الـ 21، وأميركا تحتاج إلى طاقة الخليج ورأس ماله"، لافتًا إلى أن الدفاع هو الذي يرسّخ العلاقة، مع تقديم أميركا ضمانات أمنية.

ويتطلّع بن سلمان إلى إبرام اتفاق مع واشنطن في شأن تطوير برنامج نووي مدنيّ سعوديّ، في إطار جهوده لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا من النفط. ومن شأن مثل هذا الاتفاق أن يتيح إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا النووية الأميركية والضمانات الأمنية الأميركية. ورجّح روس إعلان اتفاق يتعلّق بالطاقة النووية، أو على الأقل بيان حول التقدّم المحرز نحو اتفاق.