سوسن وزّان وسارة فوّاز

أسباب... تأثيرات صحيّة وعلاج: ارتفاع حمض اليوريك والنقرس

7 دقائق للقراءة

يُعدّ ارتفاع حمض اليوريك (Hyperuricemia) من الحالات الصحية الشائعة والصامتة في الوقت نفسه، إذ قد تتطوّر تدريجيًا من دون ظهور أي أعراض واضحة لسنوات طويلة. وفي كثير من الحالات، لا يدرك الشخص وجود مشكلة إلّا عندما يعاني من ألم مفاجئ في أحد المفاصل، أو يحدث التهاب نقرسيّ حاد، أو تتكوّن حصى في الكلى. لذلك، تُعدّ المعرفة المسبقة بالأسباب والعلامات والمضاعفات المحتملة، خطوة أساسية في الوقاية وتفادي التداعيات الصحية الخطيرة.

حمض اليوريك هو ناتج طبيعي، يتكوّن عندما يُكسّر الجسم مركّبات تُسمّى البورين (Purines)، الموجودة في العديد من الأطعمة مثل اللحوم الحمراء، الأحشاء (الكبد، الكلى)، البقوليات، السردين، الأنشوفة، إضافة إلى بعض المشروبات. يتخلّص الجسم عادةً من حمض اليوريك عبر الكلى، حيث يُطرح مع البول. ولكن عند ارتفاع مستواه في الدم، سواء نتيجة زيادة إنتاجه أو ضعف قدرة الكلى على طرحه، يبدأ هذا الحمض بالترسّب في المفاصل أو المسالك البولية على شكل بلّورات حادّة وصلبة، ما يسبّب التهابات وألمًا شديدًا.


لماذا سُمّي النقرس "داء الملوك"؟

ارتبط مرض النقرس تاريخيًا بالملوك والنبلاء، لأنهم كانوا الأكثر تناولًا للحوم والأطعمة الغنية بالبورين، والتي كانت تُعد من مظاهر الرفاهية والغنى في تلك الفترة. ومع تراكم حمض اليوريك في أجسامهم، كانوا أكثر عرضة لالتهاب المفاصل الحاد، فصار المرض يُعرف بـ "داء الملوك". أمّا اليوم، فقد أصبح المرض شائعًا بين مختلف الفئات بسبب تغيّر الأنماط الغذائية والاعتماد الكبير على الأطعمة الجاهزة والغنية بالبروتينات الحيوانية.


المعدل الطبيعي لحمض اليوريك

يتراوح المستوى الطبيعي لحمض اليوريك بين:

• نحو 6mg/dl لدى النساء

• وحوالى 6.8mg/dl لدى الرجال


أسباب ارتفاع حمض اليوريك

أسباب غذائية:

الإكثار من تناول اللحوم والأحشاء، وبعض أنواع الأسماك، والبقوليّات، والمشروبات الكحولية، والسكّريات المضافة، كلّها عوامل ترتبط مباشرة بارتفاع حمض اليوريك. كما أن الأنظمة الغذائية العالية بالبروتين قد ترفع قيمته بشكل ملحوظ.

أسباب صحية:

قد يرتفع حمض اليوريك بسبب السُّمنة، مقاومة الإنسولين، ارتفاع السكر، قصور الغدة الدرقية، وأمراض الكلى، إضافة إلى عوامل وراثية. هذه الحالات تؤثر على قدرة الجسم على معالجة الحمض أو التخلص منه.

بعض أنواع الأدوية:

بعض مدرّات البول، أدوية معيّنة لعلاج الضغط، والأسبيرين بجرعات محدّدة، قد ترفع مستوى حمض اليوريك.


مضاعفات ارتفاع حمض اليوريك

النقرس (Gout): هو التهاب مفاصل حاد يظهر عادةً في إصبع القدم الكبير، ويترافق مع ألم شديد، احمرار، وتورم.

تآكل المفاصل: استمرار ارتفاع حمض اليوريك لفترة طويلة قد يساهم في تدهور المفاصل وإضعافها.

حصى الكلى: تبلور حمض اليوريك داخل المسالك البولية قد يؤدي إلى حصى مؤلمة تعيق التبوّل وتسبّب التهابات متكرّرة.


العلاج الطبي

يعتمد على إجراء الفحوص اللازمة وتحديد السبب، ثم وصف أدوية تُخفض إنتاج حمض اليوريك أو تساعد على طرحه عبر الكلى. العلاج الغذائي مهم لكنه لا يغني عن الدواء في الحالات المتقدمة.


العلاج الغذائي

يقوم العلاج الغذائي على تعديل نوعية الطعام للحدّ من استهلاك البورين، وهو المركّب الذي يتفكك في الجسم ويتحوّل إلى حمض اليوريك. والهدف ليس الامتناع التام عن الأطعمة، بل تنظيم الكميات واختيار البدائل المناسبة للحفاظ على مستوى صحي وآمن من الحمض.


الأطعمة التي يُفضل تجنبها أو الحدّ منها 

المجموعات أدناه غنيّة بالبورين وترفع حمض اليوريك بصورة واضحة، لذلك ينبغي التعامل معها بحذر واعتدال:

*الأحشاء: مثل الكبد، الكلى، الطحال، القلب.

*أنواع معيّنة من الأسماك: السردين، الأنشوفة، الماكريل، وغيرها من الأسماك الدهنية الصغيرة.

*اللحوم الحمراء الدسمة، وخصوصًا عند تناولها بشكل يومي.

*الشوربات المركّزة القائمة على مرق اللحوم.

*المأكولات البحرية القشرية مثل الروبيان والقباقب.

هذه الفئات تُعد الأعلى في محتوى البورين، وقد تؤدي إلى ارتفاع سريع في حمض اليوريك أو تحفز نوبات النقرس عند الأشخاص المعرّضين.


أطعمة مسموحة بكميات معتدلة

بعض الأغذية تحتوي على كميّات متوسّطة من البورين، لذلك يُنصح بتناولها من دون مبالغة:

*اللحوم والدجاج: مسموحة بكمية معتدلة (100–120 غرام يوميًا)، لكن يُفضل اللجوء إلى طرق الطهي الصحية مثل الشوي أو السلق، ويُنصح باختيار القطع قليلة الدسم.

*البقوليات، مثل الحمّص، الفول، العدس، والفاصولياء التي تحتوي على بورين بدرجة متوسطة، ولكن تأثيرها أقلّ بكثير من اللحوم. تُستهلك 2–3 مرات أسبوعيًا بكميات مناسبة.

*بعض الخضار العالية بالبورين، مثل السبانخ، القرنبيط، الفطر، والهليون. لا تُشكّل خطرًا كبيرًا، ولكن يُستحسن تقليلها موقتًا عند وجود ارتفاع حاد أو خلال نوبة نقرس، ثم إعادة إدراجها تدريجيًا بعد استقرار الحالة.


أطعمة آمنة قليلة البورين

هذه الفئة تُشكّل الأساس الغذائي لمرضى ارتفاع حمض اليوريك، وهي مسموحة يوميًا:

*الفواكه: جميع أنواعها آمنة، وخاصة الكرز وله دور مثبت في خفض الالتهابات المرتبطة بالنقرس، والتفاح، البرتقال، الفراولة، العنب، الإجاص.

*الخضار: جميع أنواعها مسموحة، بما فيها البندورة (الطماطم)، ولا دليل على أنها ترفع حمض اليوريك كما يُشاع.

*الحليب ومشتقاته قليلة الدسم هي من أكثر الأطعمة المفيدة لحالة ارتفاع حمض اليوريك، إذ تساعد على تعزيز قدرة الكلى على التخلص منه. أبرزها: الحليب، اللبن، اللبنة الخفيفة، الأجبان قليلة الدسم.

*البيض، حيث يمكن تناول بيضتَين يوميًا ضمن نظام غذائي متوازن.

*المكسّرات بحفنة صغيرة (20–30 غرامًا) يوميًا: لوز، جوز، كاجو. هي مصدر ممتاز للدهون الصحية ولا ترفع حمض اليوريك.

*المشروبات، كالقهوة والشاي والأعشاب والمشروبات الدايت، كلّها آمنة ولا ترتفع بسببها مستويات حمض اليوريك.


المشروبات التي ينبغي تجنبها

المشروبات المحلّاة بالسكّر، مثل العصائر الجاهزة، الصودا، مشروبات الطاقة، المشروبات المحلّاة بالفركتوز، تزيد إنتاج حمض اليوريك في الجسم بصورة مباشرة. أما الكحول، فتُعتبر من أبرز مسبّبات ارتفاع حمض اليوريك ونوبات النقرس الحادة.


نصائح أساسية للسيطرة على حمض اليوريك

شرب الماء بكميات كافية يعدّ من أهم الخطوات، إذ يساعد على طرح الحمض ويقلّل من تركيزه. يُنصح بتناول 2 إلى 3 ليترات ماء يوميًا. كما يُفضل تجنب الكحول والمشروبات السكرية، وتخفيف الوزن تدريجيًا، واعتماد نمط غذائي متوازن.


دَور الماء والحليب في الوقاية من النقرس

تشير دراسة إلى أن الجفاف يزيد من خطر النقرس لأن قلّة السوائل ترفع تركيز حمض اليوريك. وشملت نتائج الدراسة أن شرب الماء بانتظام يقلّل من خطر الإصابة بنسبة 40 %. كما أظهرت دراسة أخرى أن الحليب قليل الدسم يساعد على خفض مستويات حمض اليوريك بنسبة 10 % بفضل مادة "Orotic Acid" التي تعزز قدرة الكلى على طرح الحمض.


العلاقة بين حمض اليوريك وحصى الكلى

تتشكّل حصى الكلى عند تراكم الأملاح ومواد مثل حمض اليوريك داخل المسالك البولية. وتزداد الخطورة لدى النساء بسبب التهابات المسالك البولية المتكرّرة، ولدى المرضى المصابين بالسكري أو الذين يعانون من قلّة الحركة أو الحمل. تشمل الأعراض ألمًا أثناء التبوّل، دمًا في البول، رائحة قوية، وأحيانًا غثيانًا وارتفاع حرارة إذا وصل الالتهاب للكلى.


الوقاية الغذائية من التهابات المسالك البولية والحصى

تتمثل الخطوات الأساسية في زيادة شرب الماء، تجنب المشروبات السكرية، تناول الكرانبيري، زيادة الخضار الغنية بمضادات الأكسدة، إضافة الأوميغا - 3، وتقليل الدهون المهدرجة، مع الامتناع عن التدخين.


إذًا ارتفاع حمض اليوريك ليس مجرّد رقم يظهر في التحليل، بل مؤشر يتطلب انتباهًا ووعيًا وتغييرًا بسيطًا في أسلوب الحياة. بالالتزام بالعلاج الطبي، وتعديل النظام الغذائي، وشرب الماء بانتظام، يمكن السيطرة على مستويات حمض اليوريك وتجنب مضاعفاته. المعرفة والالتزام هما أساس الوقاية والحفاظ على صحة المفاصل والكلى وجودة الحياة.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon