لطالما عُرف فيتامين D بأهميّته في الحفاظ على صحة العظام والأسنان من خلال تنظيم امتصاص الكالسيوم والفوسفور، إلا أنّ الدراسات الحديثة كشفت عن أدوار جديدة لهذا الفيتامين تتجاوز صحة الجهاز الهيكلي. فقد تبيّن أنّه يشارك في العديد من وظائف الدماغ والجهاز العصبي، ومن أبرزها تنظيم النوم. وتشير الأبحاث إلى أنّ انخفاض مستويات فيتامين D قد يكون مرتبطًا باضطرابات النوم لدى الأطفال، بينما يساعد الحفاظ على مستوياته الطبيعية في تحسين جودة النوم ومدته.
يُعدّ النوم من أهم الاحتياجات الأساسية لنموّ الطفل وتطوّره. فهو يمنح الجسم فرصة لاستعادة النشاط، كما يساهم في نموّ الدماغ وتقوية الذاكرة وتحسين القدرة على التعلّم والتركيز. وخلال النوم، ينظّم الدماغ المعلومات التي اكتسبها الطفل خلال اليوم، بينما يفرز الجسم هرمون النموّ الذي يساعد في نموّ العظام والعضلات. كما يلعب النوم دورًا مهمًا في تقوية جهاز المناعة والحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي للطفل. لذلك، فإنّ اضطرابات النوم أو قلّة ساعاته قد تؤثر سلبًا في الأداء الدراسي والسلوك والصحة العامة.
مراحل النوم عند الأطفال
يمرّ النوم بمرحلتين رئيسيتين:
1- نوم حركة العين غير السريعة (NREM): يشمل النوم الخفيف ثم النوم العميق، وهو المسؤول عن راحة الجسم وإفراز هرمون النموّ وتجديد الخلايا.
2- نوم حركة العين السريعة (REM): يزداد خلاله نشاط الدماغ، ويُعتقد أنّه يلعب دورًا مهمًا في تثبيت الذاكرة والتعلّم والتطوّر العصبي.
وتتغيّر نسبة كلّ مرحلة مع تقدّم الطفل في العمر، إذ تزداد نسبة النوم العميق بعد الأشهر الأولى من الحياة، وهو ضروري للنموّ الصحي.
تأثير فيتامين D في الدماغ
أظهرت الدراسات أنّ مستقبلات فيتامين D موجودة في العديد من مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم النوم والاستيقاظ، مثل منطقة تحت المهاد (Hypothalamus) وجذع الدماغ. كما يساهم الفيتامين في حماية الخلايا العصبية ودعم نموّها وتحسين التواصل بينها. ولا يقتصر دوره على ذلك، بل يساعد أيضًا في تنظيم نشاط العديد من النواقل العصبية المسؤولة عن النوم واليقظة، ما يجعله عنصرًا مهمًا في الحفاظ على دورة النوم الطبيعية.
وتشير الأبحاث إلى أنّ فيتامين D قد يحسّن النوم من خلال عدّة آليات، منها:
• تنظيم إنتاج السيروتونين المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ.
• تحسين عمل مستقبلات GABA التي تساعد على تهدئة نشاط الدماغ والدخول في النوم العميق.
• التأثير في الدوبامين الذي ينظّم اليقظة والانتباه.
• المساهمة في تنظيم الأدينوزين، وهو أحد المواد التي تعزّز الشعور بالنعاس.
• التأثير في بعض الجينات المنظّمة للساعة البيولوجية، مثل BMAL1 وPER2.
وتوضح هذه الآليات أنّ فيتامين D لا يعمل كمنوّم، وإنّما يساعد الجسم على تنظيم النوم بصورة طبيعية.
نقص فيتامين D واضطرابات النوم
وجدت العديد من الدراسات أنّ الأطفال الذين يعانون من نقص فيتامين D يكونون أكثر عرضة للإصابة بمشكلات النوم، مثل:
• انخفاض جودة النوم.
• قصر مدّة النوم.
• صعوبة البدء في النوم.
• النوم المتقطّع.
• زيادة اضطرابات النوم بشكل عام.
كما بيّنت بعض الدراسات أنّ ارتفاع مستوى فيتامين D في الدم ارتبط بزيادة عدد ساعات النوم وتحسّن جودته، في حين ارتبط انخفاضه بقلّة النوم لدى الأطفال والمراهقين.
انقطاع النفس أثناء النوم
من النتائج المهمّة التي توصّلت إليها الدراسات وجود علاقة بين نقص فيتامين D ومتلازمة انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم (Obstructive Sleep Apnea)، وهي حالة يتوقف فيها التنفس بشكل متكرّر أثناء النوم. وقد يؤدي ذلك إلى: الاستيقاظ المتكرّر أثناء الليل، والشعور بالإرهاق خلال النهار، فضلا عن ضعف التركيز والانتباه، والتأثير في الأداء الدراسي والسلوك. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ علاج نقص فيتامين D قد يساعد في تحسين هذه الحالة عند بعض الأطفال، إلى جانب العلاج الطبي المناسب.
تأثير الالتهاب في جودة النوم
يعتقد الباحثون أنّ أحد أسباب تأثير نقص فيتامين D في النوم هو زيادة الالتهابات داخل الجسم. إذ يساعد فيتامين D على تقليل إنتاج بعض المواد الالتهابية التي قد تسبّب آلام العضلات والعظام، وهو ما قد يؤدي إلى صعوبة في النوم أو الاستيقاظ المتكرّر أثناء الليل. وبالتالي، فإنّ الحفاظ على مستوى طبيعي من فيتامين D قد يساهم في تحسين النوم بصورة غير مباشرة من خلال تقليل الالتهاب والألم.
ويمكن المساعدة في الحفاظ على مستويات مناسبة من فيتامين D من خلال:
• التعرّض المنتظم لأشعة الشمس في الأوقات المناسبة.
• تناول الأغذية الغنية بفيتامين D، مثل الأسماك الدهنية وصفار البيض والحليب ومنتجات الألبان المدعّمة.
• استخدام مكمّلات فيتامين D عند الحاجة وتحت إشراف الطبيب.
• إجراء الفحوصات الدورية للأطفال المعرّضين لخطر نقص الفيتامين.
لكن، هل يُعدّ فيتامين D علاجًا لمشكلات النوم؟ على الرغم من وجود علاقة واضحة بين نقص فيتامين D واضطرابات النوم، إلا أنّ الدراسات الحالية لا تؤكد أنّ تناول فيتامين D وحده يعالج جميع مشكلات النوم. فالنوم يتأثر بعوامل عديدة تشمل العادات اليومية واستخدام الشاشات قبل النوم والحالة النفسية وبعض الأمراض المزمنة. لذلك، ينبغي تقييم الطفل بشكل متكامل عند وجود اضطرابات مستمرة في النوم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التغذية المتوازنة تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على مستويات كافية من فيتامين D، خاصةً لدى الأطفال الذين لا يتعرّضون لأشعة الشمس بشكل كافٍ. وعلى الرغم من أنّ التعرّض لأشعة الشمس يُعدّ المصدر الرئيسي لتصنيع فيتامين D في الجسم، إلا أنّ تناول الأطعمة الغنية بهذا الفيتامين يساعد في تقليل خطر الإصابة بنقصه، وبالتالي قد يساهم في دعم صحة النوم.
وتشمل أهم المصادر الغذائية لفيتامين D: الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والتونة، وصفار البيض، والكبد، والحليب واللبن ومنتجات الألبان المدعّمة بفيتامين D، وبعض أنواع حبوب الإفطار المدعّمة، وبعض أنواع الفطر المعرّض للأشعة فوق البنفسجية. كما يُنصح بتناول هذه الأطعمة ضمن نظام غذائي متوازن يحتوي على كميات كافية من البروتين والخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، لأنّ التغذية الصحية، بشكل عام، تساهم في دعم النموّ الطبيعي وتحسين الصحة العامة، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة النوم.
www.dietcenterleb.com
Instagram: dietcenterleb
LinkedIn: Diet Center Lebanon