شادي معلوف

في عيدها الـ91: فيروز... صوتها ملاذنا

دقيقتان للقراءة
فيروز

ثمّة وطن من غير حدود أو معالم جغرافية ملموسة، نسكنه من غير أن نبرح مكاننا. وثمّة أرض نهرب إليها في لحظة وجد أو حزن أو فرح، من غير أن تطأها قدمانا. وثمّة ملجأ نخبّئ فيه لحظات دمع أو شوق، أو نودِع فيه سرًّا نودّ أن نحفظه بعيدًا من آذان الفضوليّين وعيونهم. ذاك الوطن، وتلك الأرض، وذلك الملجأ، في حياة كثير من اللبنانيين والعرب، ليسَ إلا صوت فيروز.

من وراء الميكروفون، منحتنا فيروز بصوتها وطنًا بديلًا، لا تحدّه مساحة يقضمها احتلال، ولا تحكمه سلطة مخيِّبة للآمال. منحتنا فيروز وطنًا من صوت تعيد نبراته الصافية بناءه كلّ "صباح ومسا".

عمّرت حنجرة فيروز لنا مساحةً موازية نلجأ إليها حين تضيق بنا سبل الحياة. اخترعت بأدائها واحة نقصدها في أزمنة السعادة والأسى، في حالات الحروب وأوقات السلم، في مساءات الألم وصباحات الأمل، في أحيان الرغبة بالهروب والاختباء، وفي لحظات السعي إلى الحضور الواسع.

في أغنيات فيروز التي نهرب إلى مشهديّاتها ولوحاتها - ضيعة ومدينة، غابة وساحة، بيتًا وقصرًا، طيرًا وناسًا - يلقى المرء كلّ ما يحتاجه ليبنيَ فيها حلمه الهارب إليه. في أغنيات فيروز، لغتنا ولهجاتنا، فصحانا وعاميّتنا؛ نختار منها مفردات القرية أو المدينة، كلمات الملِكات أو عبارات بائعي الخضار والفاكهة.

أغنيات فيروز وطن نبلغ سماءه فنطال نجومًا نزيّن بها أحلامنا تارةً، وتارةً ندوّن على رماله خيباتنا. 

في صوتها نجد ملاذًا، نلقى موطنًا، ونعيش طقوسًا.

مذ غنت فيروز أول مرّة وحتى غنت آخر مرة، مرّ زمن، تبدّل تاريخ، سقطت وجوه، أطلّت أخرى، تغيّرت مدن، تبدّلت دول... لكن بقيت فيروز وطنًا ثابتًا نقصده أنّى كنا ومتى رغبنا. وطنًا مشرّع الأبواب على الأحلام، منزوع الخيبات، تسقط عند حدوده الهويّات.

في ذكرى مولد فيروز (20 تشرين الثاني 1934)، نهرب إلى صوتها الذي غدا "الوطن الفاضل"، نستسلم أمام لوحات رسمتها بكلمات وألحان سُلِّمت إلى حنجرتها، فاستولدتها عالمًا نقيًّا بلا شوائب.

في ذكرى مولد فيروز هذه السنة، نهدي صوتها المجروح بفقد الإبن، باقة دعاء أن يبقيها الله لنا عطرًا يُذكّر بلبنان الذي كان، ونعدها بأن يبقى صوتها لنا وطنًا نقصده حين تضيق بنا أوطان الأرض.