تعيش المنطقة لحظة سياسيّة غير عاديّة؛ لحظة تتقاطع فيها زيارات رفيعة المستوى مع لقاءات تحمل طابعًا استراتيجيًّا يتجاوز البروتوكول. فالأحداث لم تعد تُقرأ بسطحيّة، ولا يمكن فصل أي تحرّك دولي عن خلفيّة إعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المتسارع، يبرز لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من جهة، والزيارة المرتقبة للبابا لاوون الرابع عشر من جهة أخرى، كعلامتين فارقتين في مسار التحوّلات المقبلة.
فاللّقاء الأميركي - السعودي ليس مجرّد اجتماع عابر بين حليفين تقليديّين، بل خطوة محسوبة تُرسل رسائل متعدّدة الإتّجاهات. ترامب، الذي اعتمد دائمًا أسلوب السياسة المباشرة والصريحة، عاد ليستخدم لغة المصالح المكشوفة، استثمارات مقابل دعم، ونفوذ مقابل شراكات، وإحياء لدور واشنطن في رسم توازنات المنطقة. في المقابل، تبدو الرّياض وكأنّها تعيد تعزيز موقعها كلاعب أساسي في أي معادلة سياسيّة أو اقتصاديّة تخصّ الشرق الأوسط، مستفيدة من لحظة دوليّة تبحث فيها القوى الكبرى عن شركاء قادرين على الإدارة والاستقرار.
أمّا زيارة البابا لاوون الرابع عشر فتمثّل صفحة موازية لا تقلّ أهميّة عن الحركة السياسيّة القائمة. فالفاتيكان، ببعده الروحي والدبلوماسي، يختار توقيتاً حسّاساً ليطلّ على المنطقة، في خطوة تذكّر بدوره التاريخي كقوة ناعمة قادرة على التأثير في النقاشات الكبرى. الزيارة هنا تحمل أبعاداً تتجاوز الرمزيّة الدينيّة، فهي تدخل في سياق حماية التنوّع، دعم الاستقرار، وتأكيد حضور الفاتيكان في مشهد يُعاد تشكيله على أسس سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة.
وبين الحدثين، يتّضح أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تموضع عميقة. فالقوى الاستراتيجيّة تتحرّك على قاعدة: من يملك القدرة على التأثير، يملك الحق بالجلوس إلى الطاولة. ومن يصرّ على التعطيل أو الارتهان لمحاور خارجيّة ذات أطماع توسعيّة، يجد نفسه خارج اللعبة. فالمنطقة لم تعد تتحمّل عبء الانقسامات التاريخية ولا الفوضى التي خلّفتها المزايدات السياسية. واليوم، تعود الدول الكبرى لتقول بوضوح: آن أوان ترتيب البيت من جديد.
أين لبنان من هذه التحوّلات؟ وما هو دور المغتربين؟
وسط هذا الحراك الإقليمي والدولي، يبقى السؤال الأساسي: أين يقف لبنان من كلّ ما يجري؟ ففي الوقت الذي ينهار فيه الداخل تحت وطأة الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة، يمتلك لبنان ثروة بشرية موزّعة حول العالم، تُعدّ من أهم الأصول غير المستثمرة. هؤلاء المغتربون الذين يعيشون في دول تشهد تقدّماً سريعاً وتحوّلات استراتيجيّة واضحة، يرون جيداً كيف تُبنى الدول وكيف تُدار المصالح، ويدركون أنّ لبنان لا يمكن أن يعود لاعباً في المنطقة ما لم يستعد مؤسساته وشرعيّته السياسيّة.
وهذه الشرعيّة لا تأتي بالشعارات، بل عبر انتخابات نزيهة، فعليّة، شاملة لكلّ اللبنانيّين، وبشكل خاص للمغتربين الذين أثبتوا في الانتخابات الماضية أنهم قوّة قادرة على قلب المعادلات. مشاركة اللبنانيين في الخارج ليست تفصيلاً، بل رافعة أساسيّة لإعادة إنتاج سلطة قادرة على الجلوس إلى طاولة التفاوض الإقليمي والدولي. الدول لا تحترم إلاّ من يمتلك شرعيّة شعبيّة واضحة ومنبثقة من صناديق الاقتراع.
إنّ دور المغتربين اليوم يتجاوز الدعم المالي أو العاطفي. هو دور سياسي ووطني يرتبط مباشرة بمستقبل الدولة. وفي لحظة يعاد فيها ترتيب الشرق الأوسط، يصبح غياب لبنان عن مشهد التحوّلات خطراً وجوديّاً، فيما يمكن لحضور مغتربيه الفاعل أن يعيد إدخاله إلى اللعبة بدل الاكتفاء بالمراقبة.
المرحلة المقبلة: ليست للجالسين على الهامش
إنّ الرسائل التي تبرز من هذا المشهد الدبلوماسي المتسارع واضحة: المرحلة المقبلة ليست للجالسين على الهامش، ولا للمتردّدين. المنطقة تتغيّر، والخريطة السياسية يعاد رسمها، ومن لا يجد لنفسه موقعاً اليوم قد لا يجد مكاناً غداً. اللقاءات الدولية، والزيارات الروحية ذات البعد السياسي، والتحالفات الجديدة ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من لوحة واحدة تُعاد صياغتها بدقة.
ما نشهده اليوم ليس حركة علاقات عامة، بل بداية مرحلة ستحدّد ملامح العقد المقبل في الشرق الأوسط. الفرصة متاحة لمن يفهم اللعبة ويستعد لها، ولمن يمتلك الشرعية والموقع والرؤية. ومن الواضح أن من يريد أن يكون جزءاً من المستقبل، عليه أن يذهب إليه بإرادة، لا أن ينتظر أن يُدعى إليه.