جوانا صابر

الطبابة في لبنان: رفاهية لا يستطيعها الجميع

4 دقائق للقراءة

في بلدٍ أنهكته الأزمات المتتالية، من الانهيار الاقتصادي إلى التدهور السياسي والاجتماعي، تحوّل القطاع الصحي في لبنان إلى مرآة واضحة لأوجاع الناس وهمومهم. لم تعد الطبابة حقًا بديهيًّا للمواطن، بل غدت امتيازًا باهظ الكلفة، كأنها ترف محصور بفئة محدودة تستطيع دفع الفواتير الخيالية، فيما الغالبية عالقة بين الألم وعدم القدرة على العلاج.

منذ سنوات، كان اللبناني يفاخر بجودة مستشفياته، وبأن بلده - على صغره - شكّل مقصدًا عربيًا وإقليميًا للعلاج. اليوم، تغيّرت الصورة بالكامل. غابت الثقة، وانكمشت الخدمات، وتحولت المستشفيات إلى مؤسسات تجارية يُحسَب فيها كل تفصيل بالدولار: من غرفة الطوارئ إلى عبوة السيروم. ما عاد المريض يدخلها مطمئنًا، بل خائفًا من فاتورة تُرهقه قبل أن يرهقه المرض نفسه.

الأطباء أيضًا، وهم الذين مثلوا رأس المال البشري الأثمن، غادر كثيرون منهم البلاد بحثًا عن بيئة تحفظ كرامتهم المهنية. بقي من بقي يصارع بين ولائه لمرضاه وضغوط الواقع، حيث المستلزمات تُحتسب بـ "السعر الحقيقي"، والأدوية مفقودة أو شبه مخفية، والمريض يدفع ثمن كل نقص وكل أزمة. بات الطبيب يشعر أنه يُعالِج في ساحة حرب: نقصٌ في المعدات، تراجع في الرواتب، وتضخم يُلغي كل مستحقات نهاية الشهر.

المشهد في غرف الطوارئ يختصر الحكاية كلّها. مريض يطلب المساعدة، مستشفى يشترط "دفع سلفة"، وأسرّة  ترفض استقبال أي حالة قبل أن تُحسَم مسألة الكلفة. تتكرر القصة نفسها: امرأة تحمل طفلها الحمى لا تهدأ، ورجل يلهث خلف إسعاف يرفض نقله بلا ضمانة، وعجوز ينتظر ساعات في الممر لأن عائلته عاجزة عن دفع الحد الأدنى. هكذا تُصان كرامة الناس، وهكذا تُختبر إنسانيتهم يوميًا.

الطبابة التي كانت يومًا مصدر طمأنينة أصبحت عبئًا ثقيلًا. وحتى الجهات الضامنة، من مؤسسات رسمية إلى شركات تأمين، لم تعد تؤمّن الحماية الكاملة. فجأة، وجد المواطن نفسه وحيدًا أمام عاصفة المرض، بلا سند حقيقي، يدفع من مدخراته القليلة أو يستدين ليحصل على علاج كان يُفترض أن يكون حقًا مضمونًا. وفي بلد يعيش فيه كثيرون تحت خط الفقر، يصبح الاستشفاء بالفعل ترفًا لا يصل إليه إلا من امتلك القدرة المالية أو العلاقات المناسبة.

الأدوية، بدورها، باتت جزءًا من المأساة. رفوف فارغة، سوق سوداء تنشط كلما اشتدت الحاجة، وأسعار ترتفع بنسب خيالية. مشهد الصيدليات اليوم يكشف عمق الانهيار: مريض يبحث عبثًا عن دواء الضغط، وآخر يتنقل بين أكثر من صيدلية ليجد علاجًا لابنه المصاب بالربو. وحتى الدواء المتوافر، غالبًا ما يأتي بسعر يجعل شراءه مغامرة مالية. هذا الواقع لا يخلق أزمة صحية فحسب، بل يعمّق شعور المواطن بأنه متروك لمصيره.

في هذا كلّه، تبدو الدولة غائبة أو عاجزة، وربما الاثنين معًا. الإصلاح الصحي الشامل، الذي كان ملفًا أساسيًا منذ عقود، تراجع إلى آخر سلم الأولويات. لا خطط واضحة، ولا دعم مستقر للمستشفيات الحكومية المتعثرة، ولا رقابة صارمة على أسعار الدواء والتأمين. هكذا تُترك حياة الناس رهينة الفوضى، ويصبح المرض اختبارًا للقدرة المالية لا لقدرة النظام الصحي.

لكن رغم كل شيء، يظل اللبناني متمسكًا بالأمل. في مجتمع اعتاد التكاتف، ظهرت مبادرات فردية وجماعية تساعد في تغطية فواتير، أو تأمين أدوية، أو دعم مرضى عاجزين. هي محاولات خجولة، لكنها تعكس روحًا ما زالت تقاوم الانهيار.

قد لا يكون الحل قريبًا، لكن إعادة بناء القطاع الصحي تبدأ من الاعتراف بأن الطبابة ليست سلعة، بل حقّ أساسي يجب أن يناله كل فرد بلا تمييز. لبنان الذي عرف قيمة العلم والطب والإنسان، يستحق نظامًا صحيًا لائقًا يحفظ كرامة الناس، لا يرهقهم. فالصحة ليست رفاهية. إنها الحدّ الأدنى من حق الحياة.