تسعة عشر عامًا مرّت، والوجع لا يزال طريًا. كأنّ الخبر وصل أمس: "اغتيال الوزير الشاب بيار أمين الجميّل". تكرّرت الجملة على شاشات التلفزة، لكن أحدًا لم يصدّق. كيف يمكن للرصاص أن ينتصر على ضحكة؟ كيف يمكن للغدر أن يطفئ شابًا كان يرى في السياسة رسالة حياة، لا رسالة موت؟
بيار الجميّل لم يكن مجرد وزير أو وريث بيت سياسي. كان وجهًا جديدًا للحلم اللبناني. كان شابًا يؤمن بأن لبنان قادر على النهوض من كلّ انهيار، وأن الدولة ممكنة حين يكون رجالها شجعانًا لا خائفين. كان يخرج إلى الشارع بلا مواكب، يقف بين الناس بلا تكلّف، ويطرح أسئلته الكبرى ببراءة صادقة: لماذا لا يكون لنا وطن طبيعي؟ لماذا لا نحيا بلا تهديد؟ لماذا لا تُحسم السيادة بالدستور بدل الدم؟
لكن الدم حُسم. لم يُقتل بيار وحده. اغتيل معه جزء من نبض انتفاضة الاستقلال، وجزء من الحلم الذي انطلق في 14 آذار 2005، ذلك اليوم الذي غيّر تاريخ لبنان الحديث.
يومها، عاد اللبنانيون إلى الشارع يحملون صور الرئيس رفيق الحريري الذي اغتيل قبل أسابيع، الرجل الذي فتح باب التغيير بدمه. لحقه الكاتب الحرّ الحبيب سمير قصير، ثم المناضل الوطني جورج حاوي، ثم الصحافي الصارخ في وجه الظلم جبران تويني. وبعدهم النائب وليد عيدو، فالعزيز أنطوان غانم، فالقائد الأمني الذي وقف في وجه الاغتيالات العميد وسام الحسن، ثم وسام عيد الذي اكتشف خيوط الجريمة الكبرى. كلّهم سقطوا واحداً تلو الآخر، وكأن الوطن كان يدفع ضريبة الحرية على شكل قوافل من الشهداء.
بين تلك الأسماء، وقف اسم بيار الجميّل كجرسٍ مختلف. كان أصغرهم، وأكثرهم شبهاً بالأجيال التي حلمت بدولة لا تُدار بالتهديد، ولا يتحوّل فيها السياسي إلى هدف، ولا يضطر فيها الشاب إلى اختيار بين وطنه وحياته. كان بيار وعداً. والوعد حين يُقتل، يُقتل معه شيء كبير في قلب الناس.
في 21 تشرين الثاني 2006، لم يُقتل بيار لأنه وزير صناعة. لم يُقتل لأنه كتائبي. قُتل لأنه قال "لا" لمنطق القتل، "لا" للسلاح خارج الدولة، "لا" للبنان الذي يُدار من وراء البحار. قُتل لأن مشروع 14 آذار كان يكبر، وكان يحتاج من يريدون للبنان أن يبقى رهينة أن يقطعوه بأقسى الطرق: بالدم.
ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء ولم يتغير شيء. تغيّر شكل البلد، انهارت مؤسساته، تراجعت السياسة إلى مستوى التسويات الضيقة، وظهر لبنان أشبه بدولة تختنق تحت أثقال الفساد والسلاح والهيمنة. لكن شيئاً واحداً لم يتغير: حقيقة أن دماء 14 آذار ما زالت حيّة في الناس، وأن الحلم الذي ماتوا من أجله لا يزال أعمق بكثير من كل ما تراه العيون اليوم.
حين نذكر بيار الجميّل اليوم، نحن نذكر وجهًا شابًا لم يتعب من تكرار كلمة "لبنان". نذكر مشروعًا سياسيًا أراد دولة لا مزرعة، حياة لا موتًا، حرية لا خوفًا.
تسعة عشر عامًا على غيابه، ولا يزال بيار حاضرًا: في الطلاب الذين يحلمون بوطن، في الأهالي الذين يريدون دولة لأولادهم، في كل لبناني يشعر بأن الكرامة ليست رفاهية. الذكرى اليوم ليست حزناً فقط، بل إعادة قسم. قسمٌ بأن هذا البلد لن يُترك، بأن استقلاله لن يُساوَم، وبأن دماء الشهداء لن تتحول إلى فصل من كتاب التاريخ، بل ستبقى ذاكرة حيّة تذكّرنا بأن الحرية ثمنها غالٍ… لكنه ثمن نستحق أن ندفعه.
رحل بيار، لكن لبنان الذي حلم به لم يرحل. قد يتعب، قد يترنّح، قد ينزف… لكنه لا يموت. لأن الشهداء، حين يرحلون، يتركون خلفهم وطناً أقوى من القتلة، وأكبر من الخوف، وأعمق من الزمن.