لم يستغرب أحد يوم اغتيل بيار أمين الجميل، أن يرحل حفيد مؤسس حزب "الكتائب اللبنانية" يوم عيد احتفال اللبنانيين بالاستقلال، فليس عابرًا هذا التاريخ على عائلةٍ ناضلت وضحّت وخسرت أبناءها، من الطفلة مايا بشير الجميل، إلى الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل، إلى الحفيد بيار أمين الجميل، كوكبة من أبناء آل الجميل رحلت من أجل لبنان.
في 21 تشرين الثاني 2006، أطلقت رصاصات الغدر على سيارة بيار في منطقة الجديدة، تاركةً صدمة كبيرة بين اللبنانيين، فالاغتيالات حينها كانت عبارة عن سلسلة من التفجيرات عن بُعد، أما أن تصل الأمور إلى حدّ إطلاق النار على ابن بكفيا في قلب المتن وعلى بعد أمتار من كنيسة مار انطونيوس في الجديدة، فكان قمة "الوقاحة".
الرصاصات التي أطلقت يومها، لم تخترق جسد بيار، بل اخترقت الجسم اللبناني بأكمله، نعم، المشروع الذي حمله بيار واضح المعالم والثوابت، قيام الدولة في لبنان وأن يحكم القانون وأن يكون الضامن الوحيد لأمن البلد هو الجيش. لذا، ليس عابرًا أن يستشهد بيار يوم عيد الاستقلال، ليحتفل فيه بذلك كلّ لبنان بدءًا من رأس الهرم، ولتكون لكلماته آذانًا صاغية لكل رئيس ومسؤول ووزير ونائب وقاض وضابط وعسكري، "لن نخاف من أحد، ولدينا الإيمان بأن نكون مستعدين للتضحية والشهادة من أجل قضيتنا". حمل بيار حزب "الكتائب" على كتفيه، وأكّد للجميع، الحلفاء قبل الخصوم أن "الكتائب" ليس مشروع حرب بل مشروع "ولادة بلد"، بلد حضاري بلد رسالة. ولأن من "يحب لبنان يحب صناعته"، شعارٌ اتخذه بيار وحمله في قلبه وعقله، كان هاجسه الوحيد أن يكون اللبناني فخورًا بانتمائه، يعمل ويجاهد ويستثمر في بلده وليس مشروع هجرة. أن يكون كلّ لبناني فخورًا بدولته التي تحمي حقوقه وتحافظ عليها.
وقع اغتيال بيار في وقت شهد فيه لبنان توترًا سياسيًا حادًا بعد استقالة الوزراء الشيعة من حكومة فؤاد السنيورة مطالبين بحكومة وحدة وطنية وتوزيع جديد للحقائب أو بانتخابات مبكرة، وسط تهديد بالنزول إلى الشارع.
ليس غريبًا على الطرف السياسي الذي قمع وهدد مجموعة من الأحزاب والشخصيات السياسية والإعلامية، الذين شكلوا خطًا سياديًا يواجه خطه "الذمي" أن يغتال خصومه، خطًا يطالب بـ "ثورة الأرز"، لا بثورة إسلامية إيرانية، خطًا آمن ويؤمن، بأن اللبناني هو صانع الحضارة والرسالة في هذا الشرق لا بخطٍ يريد أخذ لبنان نحو شرقٍ "معتم مظلم" واستيراد إيديولوجيا غريبة عن واقعنا ممزوجة بالدم زارعًا في فكر بعض أبناء الوطن أن الموت نصرةً لقضية ما، التي يفتي بها أحد المراجع هو أقصى طموح لشاب لبناني.
اليوم، وبعد مرور 19 سنة على غيابك، يشهد لك اللبنانيون يا بيار أن الصناعة التي خلقتها في كلّ لبناني كانت أكبر وأعمق وأقوى من أي صناعة أخرى، وأن المسار الذي اتبعته كان خارطة طريق للبنانيين الأحرار الذين مشوا على خطاك، لتظهر ولو بعد 19 سنة نوايا خصومك لا بل نوايا الذين اغتالوك. فكانت ضربة ثلاثية الأبعاد، أولًا اغتيال الصناعة، ثانيًا اغتيال الشباب، ثالثًا اغتيال الاستقلال. فالصناعة اليوم بيدٍ أمينة يا بيار، والشباب، جيلًا بعد جيل، يتوارثون أقوالك ويحققون أهدافك، والاستقلال مصان ولم يتمكن أحد من خطف لبنان إلى أي محور.