د. بيتر جرمانوس

إبراهيم الأمين: الجرثومة

4 دقائق للقراءة

بوصفي مفوّض حكومة سابق لدى المحكمة العسكرية، وخبيرًا بقواعد اللعبة الأمنية في لبنان، أعرف جيدًا كيف تُزرَع الأدوات داخل البيئة الحاضنة، وكيف تُستخدم الأقلام كقنابل موقتة، وكيف تُنشر السموم تحت عنوان الصحافة "المقاوِمة". ومن تجربتي الطويلة، أقولها بلا تردد: إبراهيم الأمين ليس مجرّد صحافي… بل حالة أمنية. حالة وظيفية. حالة مُصمَّمة.

ولست بحاجة إلى مجاملة أحد: ظني العلمي، لا الحدسي، أنه عميل لجهاز أمن أوروبي. ليس لأنني أحب الإثارة، بل لأن السلوك، الخطاب، التموضع، واختيار الأهداف… كلها تحمل بصمات تقنيات الحرب الرمادية الأوروبية من بناء سردية، إلى تفكيك البيئات فضرب القيادات وتحريك خطوط الانقسام.

من "تحسّسوا رقابكم" إلى "المجد للكاتم" و"شيعة السفارة"، كيف يعمل عميل بنسخة صحافيين؟

منذ اللحظة التي رفع فيها الأمين شعار "تحسّسوا رقابكم"، وهو يبني منظومة خطابية عنوانها التخويف وهدفها التهديم. خطابه لم يكن يومًا خطاب مقاومة، بل خطاب تصفية. تصفية حسابات داخلية، سنية ومسيحية على حدّ سواء.

هاجم رفيق الحريري بطريقة لا تخدم إلا خصوم لبنان الخارجيين. واستهدف القيادات السنية بضغينة مفتعلة تؤسس لعداوة أهلية. لاحقًا، فتح ملف القدس بطريقة تؤذي أكثر مما تخدم، عبر ضرب شخصيات مسيحية وشيطنتها، لا عبر مواجهة المشروع الإسرائيلي.

خطابه ليس خطاب مقاومة بل يميل ليكون خطاب اختراق.

الأكاديمية الأمنية: لماذا يُهاجم النظام المصرفي؟

حين انقض إبراهيم الأمين على المصارف، لم يكن مدافعًا عن الفقراء كما يدّعي، بل كان يؤدّي وظيفة محددة تتلخص في هدم آخر مؤسسة "نظامية" في دولة تتآكل.

كل أجهزة المخابرات تعرف أن الضربة الأكثر فعالية ضد دولة هشة هي ضرب قطاعها المصرفي، لأنها بذلك تطيح ثقة الدول بها، وتعطّل قدرتها على التمويل، وتُخضع السياسيين للانهيار المالي. وهو فعلها بحماسة غريبة تشبه "الواجب"، لا "القناعة".

جريدة الأخبار: هل خدمت "حزب الله"؟ أم عزلت الشيعة؟

بالمنهج العلمي تتلخص المعادلة الأمنية الأولى بأن أي جهاز يريد اختراق حزب عقائدي يختار دائمًا أداة إعلامية، لا عنصرًا ميدانيًا؛ لأن الإعلام يخلق سردية، والسردية تغيّر الاتجاه.

من هنا، تصبح جريدة "الأخبار" ليست صحيفة، بل مختبرًا ومنبرًا لضرب خصوم "حزب الله" وأي حليف محتمل... ومنصة لإحراج "الحزب" أمام البيئة السنية والمسيحية وواجهة لإشعال حرائق سياسية يستفيد منها الخارج. وهنا نسأل: هل خدمت "الأخبار" الحزب؟ أم سلخت عنه نصف لبنان؟

في ميزان العلوم السياسية البعيدة عن العواطف، تبدو "الأخبار" كأكبر جرثومة زُرعت داخل حذاء "حزب الله". تخدمه في الهامش، وتطعنه في الجوهر. فلماذا لم يكشفه "الحزب"؟

سؤال مهم. وجوابي العلمي يبدأ أولًا من منطلق أن أدوات الاختراق الذكية لا تُكشف إلا من خارج البنية، لا من داخلها. والجهاز الخارجي الخبير يبني شخصية "متطرفة لصالح حزب الله"، لكنها تضرب "الحزب" في العمق من دون أن ينتبه.

ولربما ثانيًا، لحاجة "حزب الله" إلى أدوات إعلامية شرسة، تُرك الوحش ليفترس عشوائيًا. والمشكلة أن الوحش يأكل صاحبه أولًا.

ثالثًا، أرى أن بنية "الحزب" الأمنية مبنية على الميدان، لا على الحرب النفسية والإعلامية، وإبراهيم الأمين يعمل في مساحة رمادية. ليست ميدانًا، وليست سياسة، بل في مساحة لا يملك "حزب الله" فيها أدوات كشف متقدمة.

شهادتي: أنا كشفته منذ سنوات

من موقعي الأمني، ومن خبرتي كقاضٍ عسكري سابق، رأيت في خطاب الأمين العلامات الأربع للأداة الخارجية:

1. الازدواجية الخطابية: لهجة عدائية ضد الجميع بلا منطق سياسي.

2. اختيار أهداف تخدم الخارج، لا الداخل.

3. الهجوم المنهجي على البيئات التي يحتاجها "الحزب".

4. التحرك مع إيقاع خارجي، لا مع إيقاع لبناني.

في الخلاصة القاسية... إبراهيم الأمين لم يكن يومًا "كاتبًا مقاوِمًا". كان وما زال، سلاحًا وظيفيًا في يد جهاز يعرف كيف يخترق المجتمعات عبر الإعلام، وكيف يصنع "بطلاً" من ورق يضرب أكثر مما يحمي.

والسؤال الحقيقي ليس "لماذا لم يكشفه حزب الله؟" بل كم من أمثال إبراهيم الأمين لا يزالون يعملون… ولم يكشفهم أحد؟

 

مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية