جاد الاخوي

إبراهيم الأمين ومشروع الانقلاب على الدولة

6 دقائق للقراءة

ليس سهلاً على أي لبناني قرأ مقال إبراهيم الأمين الأخير أن يتعامل معه على أنه مجرد رأي سياسي أو وجهة نظر مختلفة في مقاربة الشأن العام. فالمقال لا يندرج في إطار النقد السياسي الطبيعي، ولا في إطار المعارضة الديمقراطية المشروعة، بل يبدو أقرب إلى بيان سياسي يعلن بوضوح رفض الدولة عندما لا تكون خاضعة لموازين القوى التي يريدها أصحاب مشروع السلاح.

من حق أي مواطن أن يعارض الحكومة، ومن حق أي صحافي أن ينتقد رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو مجلس الوزراء، لكن ما يطرحه الأمين يتجاوز ذلك بكثير. فهو لا يناقش أداء الحكومة، بل يناقش حقها في الوجود. ولا ينتقد بعض سياساتها، بل يطالب عملياً بإعادة صياغة السلطة بما يضمن خضوعها لمعادلات القوة التي فرضها حزب الله خلال السنوات الماضية.

المفارقة أنه يتحدث عن “نزع الشرعية” عن السلطة الحالية، وكأن الشرعية أصبحت تُمنح من الصحف الحزبية أو من أصحاب السلاح، لا من الدستور والمؤسسات والقانون. فمن الذي يملك حق تحديد الشرعية في لبنان؟ هل هو الشعب اللبناني عبر مؤسساته الدستورية، أم القوى المسلحة التي اعتادت فرض إرادتها على الدولة؟

الحقيقة التي يحاول أصحاب هذا الخطاب الهروب منها هي أن لبنان دفع أثماناً باهظة نتيجة مصادرة القرار الوطني. فمنذ أكثر من عشرين عاماً، لم يكن القرار الاستراتيجي للدولة اللبنانية في يد الدولة وحدها. كانت هناك سلطة موازية تمتلك السلاح والمال والقدرة على فرض الوقائع. وكانت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن ممارسة كامل صلاحياتها لأنها كانت تصطدم دائماً بسقف مرسوم خارج المؤسسات.

اليوم، عندما يحاول لبنان استعادة جزء من قراره الوطني، يخرج من يعتبر أن المشكلة ليست في عقود من الهيمنة على الدولة، بل في الدولة نفسها.

في مقاله، يقدم إبراهيم الأمين صورة تكاد تكون خيالية عن الواقع اللبناني. يتحدث عن المقاومة وكأنها تمثل كل اللبنانيين، وعن خياراتها وكأنها تعبر عن إجماع وطني، وعن حروبها وكأن الشعب اللبناني كله شارك في اتخاذ قرارها. لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: ملايين اللبنانيين لم يكونوا شركاء في تلك القرارات، ولم يُستشاروا في الحروب التي خيضت باسمهم، ولم يوافقوا على تحويل لبنان إلى جزء من استراتيجية إقليمية تتجاوز حدوده ومصالحه.

يكرر الرواية نفسها التي سمعها اللبنانيون لعقود: كل من يعارض مشروع السلاح خائن، وكل من يطالب بالدولة عميل، وكل من يريد حصرية القرار الوطني بيد المؤسسات متآمر على المقاومة. لكن هذه اللغة فقدت فعاليتها. فقد جرب اللبنانيون نتائجها، ورأوا بأعينهم إلى أين أوصلت البلاد.

لقد جربوا دولة داخل الدولة.

وجربوا اقتصاد المحاور.

وجربوا سياسة ربط لبنان بصراعات المنطقة.

وجربوا منطق أن مصلحة لبنان يجب أن تأتي دائماً بعد مصلحة المشروع الإقليمي.

والنتيجة كانت انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، وعزلة عربية ودولية، وتراجعاً خطيراً في مكانة الدولة، وانقساماً وطنياً عميقاً ما زال اللبنانيون يدفعون ثمنه حتى اليوم.

الأخطر في هذا المقال هو محاولته تصوير أي محاولة لاستعادة الدولة لصلاحياتها وكأنها استهداف لطائفة أو لشريحة من اللبنانيين. وهذا منطق بالغ الخطورة، لأنه يعيد إنتاج الانقسام الأهلي نفسه الذي عانى منه لبنان لعقود.

فالدولة ليست مشروعاً ضد الشيعة، كما أن حصرية السلاح ليست مشروعاً ضد المقاومة. الدولة هي الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين، بمن فيهم أبناء البيئة الشيعية الذين دفعوا أيضاً أثمان الحروب والدمار والتهجير والخسائر الاقتصادية.

من حق الشيعة اللبنانيين أن يعيشوا في دولة تحميهم لا في ساحة صراع مفتوحة.

ومن حقهم أن تكون لهم مؤسسات لا ميليشيات.

ومن حقهم أن يكون مستقبل أبنائهم مرتبطاً بلبنان لا بحسابات العواصم الإقليمية.

لكن الخطاب الذي يقدمه المقال يقوم على فكرة مختلفة تماماً. إنه يقوم على اعتبار أن بقاء السلاح فوق الدولة شرط لبقاء الطائفة، وأن خضوع المؤسسات لميزان القوة العسكري ضرورة لحماية المجتمع. وهذه الفكرة لم تعد تقنع حتى جزءاً كبيراً من البيئة التي كانت تتبناها في السابق.

يتحدث أيضاً عن المفاوضات الجارية وكأن مجرد وجود الدولة اللبنانية على طاولة التفاوض يشكل تهديداً بحد ذاته. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فما يخيف أصحاب مشروع الدولة الموازية ليس التفاوض بحد ذاته، بل أن يكون لبنان هو من يفاوض.

ما يزعجهم ليس أن تُناقش القضايا الوطنية، بل أن تُناقش داخل المؤسسات الشرعية.

وما يقلقهم ليس مستقبل لبنان، بل احتمال أن يصبح القرار اللبناني مستقلاً عن أي وصاية خارجية مهما كان مصدرها.

وللمفارقة، فإن الذين يهاجمون ما يسمونه الوصاية الأميركية أو السعودية يلتزمون صمتاً مطبقاً عندما يتعلق الأمر بالوصاية الإيرانية. يرفضون أي نفوذ خارجي إلا النفوذ الذي يخدم مشروعهم. ويهاجمون التبعية إلا عندما تكون تبعية لمحورهم السياسي.

إذا كان معيار السيادة هو رفض التدخل الخارجي، فليكن ذلك شاملاً للجميع.

أما أن تصبح السيادة انتقائية، فهذا ليس دفاعاً عن الاستقلال بل دفاع عن نفوذ سياسي معين.

الحقيقة أن لبنان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما.

الخيار الأول هو العودة إلى مرحلة الدولة الضعيفة التي تُدار من خارج مؤسساتها، حيث يكون القرار الحقيقي في مكان والقرار الرسمي في مكان آخر، وحيث تبقى البلاد رهينة التوازنات العسكرية والإقليمية.

أما الخيار الثاني فهو بناء دولة فعلية، تحتكر السلاح، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتمثل اللبنانيين جميعاً في الداخل والخارج، وتخضع فيها كل القوى السياسية للقانون نفسه.

هذا هو جوهر الصراع الحقيقي في لبنان.

ولذلك فإن المشكلة ليست في الحكومة الحالية، رغم كل ما يمكن أن يقال عن أخطائها ونواقصها.

وليست في رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة.

وليست في المفاوضات أو في السياسات اليومية.

المشكلة الحقيقية هي أن هناك من لا يزال يرفض الاعتراف بأن زمن الدولة الموازية يقترب من نهايته.

وهناك من لا يزال يعتقد أن اللبنانيين يمكن إخافتهم بشعارات التخوين والتهويل نفسها التي استُخدمت لعقود.

وهناك من لا يزال عاجزاً عن فهم أن فكرة الدولة أقوى من أي حزب، وأبقى من أي سلاح، وأعمق من أي مشروع إقليمي مهما بدا قوياً.

إن اللبنانيين لا يحتاجون اليوم إلى تعديل حكومي يضمن نفوذ فريق معين، ولا إلى إعادة إنتاج موازين القوى التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.

ما يحتاجون إليه هو استعادة دولتهم.

دولة لا يعلو فيها أحد على القانون.

دولة لا يحتكر فيها أحد الوطنية.

دولة لا يمتلك فيها أحد حق تقرير مصير الملايين منفرداً.

ودولة لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق المواطنة والمؤسسات.

أما الذين لا تعجبهم الدولة عندما تستعيد دورها، فمشكلتهم ليست مع الحكومة، ولا مع الرئاسة، ولا مع أي مسؤول.

مشكلتهم الحقيقية هي مع فكرة الدولة نفسها.

ولهذا السبب بالذات، فإن الدفاع عن الدولة اللبنانية أصبح اليوم معركة وطنية بامتياز، ومعركة سيادية بامتياز، ومعركة مستقبل بامتياز.