لم يعد كشف نفوذ موسكو داخل الإدارة الأميركية مجرّد اتهام انتخابي أو مادة سجالية، فبل ساعات فجّرت وكالة بلومبرغ واحدة من أخطر التسريبات السياسية في السنوات الأخيرة، كاشفةً شبكة اتصالات سرّية جرت بين ستيف ويتكوف، أحد أبرز المقرّبين من دونالد ترامب، ومسؤولين روس على صلة مباشرة بالكرملين. فقد أظهرت الوثائق والتسجيلات التي اطلعت عليها الوكالة أن الجانب الروسي لم يكن يناقش “مبادرة سلام” بل كان يضع مسوّدة مكتملة الملامح، جرى إرسالها عبر "عميل الكرملين" في البيت الأبيض إلى الدائرة الأقرب لترامب بهدف ضمان تبنّيها في اللحظة المناسبة، وهو ما حدث فعلاً بعد أيام من تلك المحادثات.
وما نشرته بلومبرغ كان أكثر من مجرّد تسريب؛ فلقد قدّمت الوكالة تفريغاً دقيقاً لاتصالات متعدّدة جرت خلال الشهر الماضي، ومنها في ٢٩ اوكتوبر، ظهر خلالها مسؤولون روس يتحدّثون بلا تردّد عن “النسخة التي نريد لترامب أن يطرحها”، وهو تعبير صادم كشف حجم الثقة التي كان الجانب الروسي يتعامل بها مع قنوات تأثيره داخل الولايات المتحدة.
كما تُظهر إحدى المحادثات المسرَّبة أن الروس كانوا يرسلون ملاحظاتهم إلى ويتكوف حول كيفية تحسين اللغة المستخدمة في الخطة، وكيفية تضمين نقاط إضافية تتعلّق بوضع المناطق المحتلة، بل وكيف يجب على ترامب أن يقدّم الخطة إعلامياً لكي لا تبدو “انحيازاً صريحاً لروسيا”. ووصل الأمر إلى حدّ تبادل وثائق نصّية بين الطرفين، حيث قدّم الفريق الروسي تعديلات مباشرة على الصياغة، فيما لعب ويتكوف دور الوسيط الذي ينقل النسخة النهائية لتكون “قابلة للبيع” داخل البيت الأبيض.
الصدمة الأكبر كانت في الفقرة الذي ذكرتها بلومبرغ عن كيفية التعاطي والتحدث مع ترامب، حيث بدا ويتكوف وهو يوجّه الروس بطريقة تثير الريبة: يشرح لهم كيف يمكن لمدح ترامب في ملفات الشرق الأوسط أن يفتح الباب أمام موافقته على البنود، ويقترح عليهم صياغات محددة “تلائم مزاج الرئيس”، ويطمئنهم بأن الطريق مفتوح داخل فريق ترامب لتمرير الوثيقة. هذا المستوى من التدخل كشف ما هو أعمق من مجرّد تواصل دبلوماسي، بل تظهر عملية خيانة ممنهجة، تُستخدم فيها علاقات شخصية ومصالح اقتصادية ورجال أعمال نافذون لتطويع موقف رئيس أكبر دولة في العالم بما يخدم رؤية روسيا للحرب في أوكرانيا.
ومع نشر تفاصيل هذا الاتصال، بدا واضحاً أن موسكو لم تكتفِ بصياغة الخطة، بل عملت على رعايتها من لحظة ولادتها حتى لحظة وصولها للرئيس، عبر تجنيد مقرّبين من ترامب وإقناعهم بأنهم يلعبون دوراً “تاريخياً” في صناعة السلام. هكذا تحوّلت الدائرة الشخصية للرئيس إلى بوابة خلفية تعمل موسكو من خلالها على إدخال أجندتها إلى قلب القرار الأميركي، ما جعل من ترامب نفسه عرضة لتلاعب سياسي غير مسبوق. ومع انتشار هذه الفضيحة كالنار في الهشيم، يتم الحديث في أوكرانيا عن انهيار الثقة بترامب، الذي ظهر فجأة كرئيس يمكن التأثير عليه من خارج مؤسسات الدولة، خاصة اطلاق زيلينسكي لمواقف إيجابية قبل ساعة من نشر هذه التسريبات حيث كام زيلينسكي بتطلع للقاء ترانب في اسرع وقت ممكن، لكن ظهر ترامب وكأنه مسؤول يقدّم للعالم خطة وُلدت في مكاتب روسية ثم صيغت لتبدو وكأنها مبادرة أميركية، رغم تأكيد روبيو سابقاً ان الولايات المتحدة الأمريكية هي من وضع بنود هذه الخطة.
في خضم هذه الفوضى، أظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حنكة استثنائية في التعامل مع الموقف، إذ فهم منذ اللحظة الأولى أن الخطة ليست مبادرة تفاوضية بل محاولة روسية لفرض أمر واقع سياسي بعد تعثّرها في تحقيق نصر عسكري حاسم. لم يتعامل زيلينسكي مع التسريبات كإحراج لواشنطن، بل كفرصة لفضح النوايا الروسية أمام العالم، فحشد الدعم الدولي، وذكّر بأن أي سلام لا يحترم سيادة أوكرانيا لن يكون سوى “هدية للمعتدي”. واستطاع عبر خطاب متماسك أن يعيد رسم صورة الصراع: روسيا تحاول حسم الحرب عبر الضغط السياسي حيث فشلت عسكرياً، وترامب ظهر كقناة يمكن التأثير عليها، بينما كييف لا تزال الطرف الوحيد الذي يدافع عن المبادئ الحقيقية للسلام.
لكن المريب الدور المشين الذي قام به ويتكوف لمنع صفقة توريد صواريخ توماهوك الى أوكرانيا قبل ساعات من اعلان ترامب رسمياً عن ترسالها لكييف، غيّر ترامب رأيه وتراجع عن تسليح أوكرانيا بصواريخ مهمة تعول عليها كييف في ضرب العمق الروسي، فبعد هذه الفضيمة اصبح من الواضح ما فعله ويتكوف من احل عرقلة هذه الخطوة.
وهكذا، تحوّلت "خطة السلام* من مبادرة كانت تهدف لإنهاء الحرب إلى وثيقة فجّرت أكبر فضيحة نفوذ روسي داخل الإدارة الأميركية منذ عقود، وطرحت أسئلة كبرى حول قدرة واشنطن على قيادة أي عملية دبلوماسية بعد ظهور هذا الاختراق الروسي في أعلى مستويات القرار. ومع تصاعد الشكوك وتشتّت المواقف الدولية، يبقى السؤال الذي سيطارد ترامب والعالم معاً: هل ما زالت فرص السلام قائمة بعد هذه الفضيحة المذلّة، أم أن ما كُشف سيجعل أي مبادرة أميركية مشكوكة فيها طالما أنّ موسكو قادرة على التأثير في قلب السلطة الأميركية؟