في 24 تشرين الثاني 2025، وفي تعليقين إيرانيين على استهداف رئيس أركان "الحزب" هيثم علي طبطبائي في حارة حريك في 23 من الجاري، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، إن استمرار العمليات الإسرائيلية "لن يترك خياراً سوى المواجهة".
ودعا القيادي في "الحرس الثوري" وعضو "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، محسن رضائي، "الحزب" إلى إعادة النظر في سياسة الصبر الاستراتيجي، قائلاً إن "اغتيال قادة المقاومة لا يزعزع الجبهة؛ بل يخلق موجة جديدة من التحاق المقاتلين". ووصف العملية الإسرائيلية في بيروت بأنها "عمل إرهابي"، واتهم إسرائيل بـ"استغلال وقف إطلاق النار وضبط النفس الذي تبديه المقاومة".
وأوضح رضائي في تقييم لأوضاع "الحزب"، قائلاً: «اليوم التحقت مجموعات أكبر بالمقاومة، و"الحزب" يدير الميدان بصبر وضبط نفس استراتيجي. ورغم أننا لا نصدر الأوامر لجبهة المقاومة، وهذه القوى تتخذ قراراتها باستقلالية، فإنني أرى أن هذا الصبر وضبط النفس تجب إعادة النظر فيهما».
لقد بنى بعض المراقبين على هذين الموقفين، ردًّا متوقعًا حتميًّا من "الحزب" على استهداف طبطبائي تنفيذًا لرغبات وتوصيات وأوامر إيرانية. إلا أن العالمين بـ"الحزب" وعقيدته وتراتبية الأمر فيه، والعارفين بمكانة وصلاحيات الولي الفقيه، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، على "الحزب" وأمينه العام والمحازبين والمؤيدين، يدركون ويؤكدون أن قبلة "الحزب" في تلقي الأوامر والنواهي والموانع تبقى دائماً عند الولي الفقيه الإمام علي خامنئي، الذي أفتى في 9 أيلول 2024، قبل استهداف أميني عام "الحزب" نصرالله وصفي الدين، وقبل الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، أن "لا ضير في التراجع التكتيكي أمام العدو، والتراجع قد يكون في الميدانين العسكري أو السياسي".
إذن، هو من أرسى دعائم الصبر الاستراتيجي وضبط النفس وعدم الثأر لما لحق بفتواه، وقد يلحق باستهداف طبطبائي.
لِيَلتزم أمين عام "الحزب" الشيخ نعيم قاسم، الذي عيّنه خامنئي وكيلاً شرعياً دينياً دنيوياً له في "منطقة لبنان" بتاريخ 5 شباط 2025، بمندرجات التراجع الاستراتيجي، والذي لطّفه الأصيل بالتكتيكي في المراحل اللاحقة، فيقول في 23 شباط 2025 في تشييع سلفيه:
"وافقنا على طلب العدو بوقف إطلاق النار، لأن المقاومة ولبنان ليس لديهما مصلحة في استمرار القتال، حيث لا يتم تحقيق سوى الضرر من دون تقدم سياسي أو ميداني... بمعنى آخر، أصبح كل أمل بالحسم العسكري مجرد قتل وقتال من دون نتائج حقيقية... قوة موافقتنا على وقف إطلاق النار في هذه اللحظة المناسبة، والتي لو تأخرت شهراً أو شهرين لما كانت لها نتائج مختلفة. نحن الآن في مرحلة جديدة".
كما يقول:
"نحن التزمنا، بينما لم تلتزم إسرائيل. لقد صبرنا على إعطاء إسرائيل الفرصة للانسحاب بالاتفاق والدبلوماسية.. التزمنا باتفاق وقف إطلاق النار لكن إسرائيل لم ولن تلتزم، وبعد انتهاء مهلة الانسحاب واستمرار العدوان أصبحنا أمام احتلال وعدوان وليس خرقاً للاتفاق.. سنتابع تحرّك الدولة اللبنانية لضمان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بالطرق الدبلوماسية".
وتأكيداً على أن كلام كل من رضائي ولاريجاني لا يعدو كونه آراء شخصية لا يركن "الحزب" إليها ولا يعيرها انتباهاً أو التزاماً، هو ما قاله الشيخ نعيم قاسم نفسه في 16 نيسان 2007 في مقابلة مع تلفزيون الكوثر، شارحاً:
"لو افترضنا الآن أن واحداً من المواطنين اللبنانيين قرّر من رأسه أن يقوم بعملية استشهادية من دون استشارة أحد، ليس معلوماً أنه يقوم بتكليف شرعي، هو قد يكون آثماً... الحزب اعتمد، في الموقف الفقهي الذي له علاقة بحركته العامة وبحركته الجهادية الخاصة أيضاً، على الولي الفقيه. الولي الفقيه هو الذي يسمح، والولي الفقيه هو الذي يمنع. عندما انطلقت مقاومة الحزب عام 1982، إنما انطلقت بناءً على رأي وقرار فقهي من الإمام الخميني قدس سره، الذي يعتبر أن قتال إسرائيل واجب، وبالتالي نحن التزمنا بهذا الرأي".
ووثّق الشيخ قاسم الالتزام بالولي الفقيه وشرح صلاحياته على "الحزب" وجمهوره في كتابه "الحزب: المنهج – التجربة – المستقبل"، ففي الصفحة 53:
"قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه، الذي يشخّص الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي، والذي يحدد قواعد المواجهة وضوابطها... وقد يختلف رأي بعض الفقهاء عن رأي الولي الفقيه، لكن رأيه ملزم لهم، فهو المتصدّي والمبايَع من قبل الناس... فالقرار يعود إليه وهو ملزم للمسلمين".
وفي الصفحة 74:
"الولي الفقيه هو الذي يملك قرار الحرب أو السلم، ويتحمل مسؤولية أمن الناس وأموالهم وأعراضهم، ويتصرّف بالأموال الشرعية ويحدد ضوابط الدولة...".
كذلك، ينقل موقع "فردا نيوز" الإيراني في 13 آذار 2018 عن الأمين العام الراحل السيد حسن نصرالله قوله أمام الإيرانيين المقيمين في لبنان:
"إن مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني، ونحن نؤمن بذلك، ونعتبر تنفيذ أوامر ولي الفقيه واجباً شرعياً إلزامياً".
أما دعوة محسن رضائي لـ"الحزب" بالرد، كما تبيّن مما سبق، فإنها تكاد تكون خلبية ومن باب رفع العتب والمعنويات. أما قوله "إننا لا نريد أن نعطي الأوامر لجبهة المقاومة، إنهم يتخذون قراراتهم بأنفسهم"، فقد ردّت عليه الشواهد الآنفة الذكر التي وثّقت كيف أن "القرارات" تُتخذ من مكان واحد، وتحديداً من مكانة ولاية الفقيه المطلقة التي تتفوق على الدستور اللبناني حسب السيد نصرالله. كما ردّ على قول رضائي الشيخ قاسم في 21 آذار 2015 بشكل مباشر بقوله: "تحت إمرة الولي الفقيه قدمنا تجربة عظيمة في لبنان... الحزب تحت إمرة الولي الفقيه وإيران أمّ المقاومة ودرّة الشرق".