وائل خير

الفدرالية القيمية

5 دقائق للقراءة

لا يفت المدقق في الدينامية السياسية للبنان بزوغ حقبة ما كانت قبلًا. من قارن بدايات الحرب اللبنانية بوقائع اليوم لبان له ما لم يكن حتى في أحلام من سبق.

هوة عميقة فصلت حينها بين خيارين. خيار لبناني يكاد ينحصر بقيادة وقاعدة مارونية عرفت في ما بعد بـ "الجبهة اللبنانية"، محدودة العدد والإمكانيات، تواجه تحالفًا يفوقها بما لا يقاس عددًا وتسليحًا ودعمًا إقليميا ودوليًا. كما إن بعض أبرز رجال الدين وحركات الشبيبة لمختلف الكنائس نشطوا في صفوف "الحركة الوطنية" بحماس بلغ حد إنكار المجازر أن كان المسيحيون ضحاياها.

المثقفون والصحافة التحقوا بالركب. باستثناء صحيفة "العمل"، أقلية التزمت الحياد مع نقد لـ "الجبهة اللبنانية"، وأكثرية تؤيد خارج كل قيد، القضية الفلسطينية والحركة الوطنية.

وإذ بالأوضاع تنقلب. سببان وراء هذا التحول التاريخي. السبب الأول هو تلاشي أوهام الثورات وتحرر الشعوب وانهيار الشيوعية وانكشاف الأنظمة الثورية العربية، في حين تزايد الاقتناع بالتحول التدريجي عن طريق الديمقراطية.

السبب الثاني يعود إلى ما تعانيه الثورة الإيرانية والتطورات الإقليمية. نادت الثورة الإيرانية بـ "ولاية الفقيه" وبذلت وسعها في نشرها بين الشيعة العرب. ما أخذ على "ولاية الفقيه" أمران. فقهيًا لم يؤيدها أحد من آيات الله العظمى إذ لم يجدوا لها سندًا في الفقه الإثني عشري. العلمانيون وجدوا في قيمها ما يخالف مبادئ تقوم عليها الدول الحديثة حول المساواة بين المواطنين، وفصل السلطات وحريات التعبير وحرية العبادة وباختصار، إسقاط تام لحقوق الإنسان.

بدأ مؤخرًا بعض ليبراليي شيعة لبنان الجهر بما كتموا لعقود. كشفوا أن المرجعيات الشيعية ذات الوزن في لبنان وجدت هوة فقهية لا سبيل لتخطيها بعد اتصالها بالإمام الخميني والمقربين منه. فانتقلت طهران إلى خيار بديل إسناد قيادة "حزب الله" لـ "سياد" لا يحظون بدرجات علمية أو أوزان فقهية، غرضهم ينحصر بإدارة تنظيم عسكري والإشراف على شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والطبية والتعليمية تغطي بنية عسكرية ومخابراتية تمسك بشيعة لبنان بدأ بالحسنى وبالشدّة عند الحاجة خدمة لإيران.

لما يقرب من أربعة عقود تمدد "الحزب" داخل شيعة لبنان تحت شعار "نحمي ونبني". وأنشأ شبكة تعدت صفوف الشيعة إلى طوائف أخرى بغطاء سياسي استجلب بوسائل متعددة ولاءات مثقفين وإعلاميين من طوائف أخرى خاصة من المسيحيين، لطمس الهوية المذهبية الصارخة لـ "الحزب". ضمت مروحة "الحزب" رجال دين وراهبات وإعلاميين يفخرون بانتماءاتهم العلمانية.

كان لهذا القرض البطيء للبنى البرلمانية والسياسية والقضائية والأمنية والجامعية والنقابية والدينية والمالية والمصرقية، أن يطغى على لبنان ويحوله إلى "جمهورية لبنان الإسلامية"، لولا قرار إيران عبر حسن نصر الله بإطلاق "مساندة غزة ومشاغلة العدو الصهيوني" في 8 أكتوبر 2023.

بذاك كانت بداية نهاية "حزب الله" وتمدد إيران في لبنان.

هذه الهزيمة أطلقت ما كبتت صدور اللبنانيين لعقود، ورفعت إلى ذرى ما بلغها أحد قط في تاريخ لبنان الإعلامي لمعلّقين ذوي خلفية أكاديمية من سنة ودروز وشيعة يفخر كل لبناني بهم.

السؤال يبقى. الأمر على هذه الحال من يقظة لبنانية عبر جميع طوائفه، وبألق ساطع من قبل شيعة وسنة ودروز، لمَ الفدرالية ولدينا كل عناصر بناء لبنان متماسك يضم مفكرين أثبتوا كفاءة تعدت الرؤية إلى شجاعة طرح رغم الشتائم والتهديد، خاصة وأن الاغتيالات السياسية باتت حقيقة واقعية؟

الجواب يكمن في دينامية اتصف الإسلام بها ومن الحكمة أن يحتاط لها. فمنذ العام الأول للهجرة وطوال ما يقرب الألف عام، ورقعة الإسلام تتمدد. صحيح أنهم أخرجوا من الأندلس، لكنهم استعاضوا عنها بامتداداتهم في البلقان. الصدمة الأولى كانت في العام 1682 عندما فشل العثمانيون في احتلال فيينا. لكن الصدمة الكبري أتت في ما بعد عندما ألحق الروس هزائم فادحة بالعثمانيين ما اضطرهم لتوقيع اتفاقية كوجك كينارجي عام 1773. هزيمة طرحت سؤالًا عليهم وجدوا له جوابين متضاربين. الجواب الأول عادوا بالهزيمة إلى تخلف السلطنة عن ركب الحضارة فكان الحل باعتماد ما عرف في ما بعد بالعلمانية. آخرون عزوا الهزيمة إلى خروج عن الدين القويم فالحل عندهم تبقى الأصولية.

هذه الثنائية دمغت التاريخ الإسلامي الحديث بحيث يلتزمون خيارًا وعند فشله ينتقلون إلى الخيار البديل. ديناميكية لا تخطئها العين، وهل من دليل أبلغ على صحتها من انتقال تركيا من أتاتورك إلى أردوغان؟

عليه، الفدرالية القيمية لا تقوم على الطائفية ولا الدين ولا الاقتصاد أو الجغرافيا. بل على انسجام قيمي يجمع المواطنين حول قيم يختارونها لهم ولمن حل في ربوعهم. فكل ليبرالي يجد مقامًا له بين مشاركيه قيمه كما لكل ذمي كامل الحق في الانتماء إلى نظام ذمة يختاره. تلك هي الخطوط العريضة لفدرالية القيم المشتركة.

******