في الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار—الذي اعتبره الحزب يومها "انتصارًا مبينًا"—ظهر رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ليضع اللبنانيين أمام مسؤولية ما اقترفه حزبه منذ الثامن من تشرين الأول 2023. فالحزب ما زال، عبر قياداته وإعلامه وأقلامه وأبواقه، يتّهم معظم اللبنانيين بالخيانة والتآمر والعمالة، وبأحسن الأحوال بالتماهي مع "العدوين" الصهيوني والأميركي.
رعد قال إن "استهداف الشهيد طبطبائي ورفاقه في مبنى مدني وبين المدنيين هو استهداف للبنان كله: دولة وجيشًا ومقاومة وشعبًا، ومن حق الجميع واجبهم أن يتصرفوا بما يؤدي إلى وقف الاستباحة الصهيونية. التنسيق والتكامل يفرضان نفسيهما، وليس لأحد أن يمارس النكران تجاه واجباته الوطنية". ثم يضيف: "الأمر لا يتعلق بانكشاف أمني خاص، فالبلد بأسره مكشوف للعدو ولمن يعتبرهم البعض أصدقاء فيما هم حماة للعدوان".
هكذا يكمل رعد ما كان قد أوحى به في 3 آذار 2023، حين قال: "نريد لشعبنا أن يعيش عزيزًا…"، قبل أن يعلن في الجملة نفسها أن الحزب "يخوض معارك ما قبل الفتح" على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والصحية، متهمًا "بعض المحليين" بالخضوع "للمستكبرين والضالين والطواغيت".
لكن رعد—الذي يتحدث دائمًا باسم "شعبنا"—لم يقل يومها من كان سيستهدفه هذا "الفتح"، ولا كيف يمكن الجمع بين ادعاء الحرص على الشعب وبين اتهام قسم كبير منه بالخضوع والضلال.
وفي سياق توريط لبنان واللبنانيين بحياتهم وأمنهم واقتصادهم دون استشارتهم أو احترام خياراتهم، يمكن التذكير بما قاله رعد عند توقيف ميشال سماحة متلبّسًا بنقل عبوات ناسفة إلى مناطق لبنانية لقتل مدنيين ورجال دين من "بعض" الشعب. يومها قال رعد في 10 آب 2012: "لن نسكت عن توقيف المقاوم ميشال سماحة". وبعد أقل من عام، في 17 حزيران 2013، أعلن: "من عنده ذرة شرف في هذا العالم فعليه أن يقيم للمقاومة أعيادًا لا تنتهي".
أما في 12 تشرين الثاني 2013، فأعاد خلال مجلس عاشورائي رسم "لبنان الجديد" وفق مقاييس الحزب:
"العصر الآن هو عصر المقاومة… الوجه الطبيعي للبنان هو وجه المقاومة… قبلها لم نكن نرى لبنان على الخريطة الدولية، كان ساحة ملاهٍ وسمسرات وتبييض أموال… أما الآن فيجب إقامة لبنان الجديد المنسجم مع وجود المقاومة فيه".
ثم في 14 نيسان 2014 يعلن رعد أن قتال الحزب في سوريا جاء لـ"تقديم النموذج المضيء للإسلام المحمدي الأصيل"، متجاهلًا وجود شرائح واسعة من اللبنانيين لا تشاركه هذا "النموذج" ولا تعتبره ممثّلًا لها.
وفي مقابلته الأخيرة، يصل رعد إلى بيت القصيد: فائدة السلاح والردع.
يقول: "ما هي فائدة الجيوش أيضًا إذن؟ الردع مسار، رؤية، أهداف، سلوك، تخطيط، دولة وجيش وشعب ومقاومة. وكل منهم عليه واجبه… وإذا قصّر واحد منهم يبرز السؤال عن الردع".
ويأتي الرد من رئيس الحكومة نواف سلام، الذي ترتقي علاقته بالحزب وفق رعد إلى "مستوى الفهم الوطني المتبادل". سلام يقول بوضوح يهدم الأسطورة كلها:
"لبنان في حرب استنزاف من طرف واحد. الحزب يقول إن سلاحه يردع، والردع يعني منع الاعتداء، لكنه اعتُدي ولم يردع. هذا السلاح لم يحمِ لا قادة الحزب ولا اللبنانيين ولا ممتلكاتهم. عشرات القرى مُسحت. لا ردع… ولا حماية… ولا نصرة لغزة."
ومع هذا الانهيار في سردية الردع، يدّعي رعد أن "إسرائيل عند وقف إطلاق النار كانت تواجه صعوبة كبرى في توغلها البري رغم حشد 75 ألف عسكري، وأن عامل الوقت ضغط سياسيًا عليها، ولذلك استجابت لنصيحة راعي التفاوض الأميركي ووافقت على وقف النار".
وهو تقريبًا التبرير نفسه الذي قدّمه في 1 نيسان 2024 حين قال إن "العدو يخبط خبط عشواء ويُثقل بالأذى… لكن الصبر هو طريق النصر".
هنا يُطرح السؤال المنطقي:
إذا كان "الميزان العسكري والميداني لصالح الحزب"، فلماذا لم يكمل "فتحَه"؟
لماذا قبل الحزب بوقف إطلاق نار يعيد العدو عبره التقاط أنفاسه؟
ولماذا خضع لنصيحة راعي التفاوض الأميركي، بينما يتهم اليوم الحكومة والرئيس والقوى السيادية بالخضوع للإملاءات الأميركية؟
أسئلة تقوّض ما تبقى من "سردية الردع"… وتُظهر أن رعد نفسه، من حيث لا يدري، يصادق على سقوطها.