العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

لبنان بحاجة لقيادات تُعيد تشكيله قبل الانهيار

5 دقائق للقراءة

في الاستراتيجية العسكرية، يشير مفهوم "مضاعِف القوة" إلى أي عامل، كالقيادة أو الاتصال أو المعنويات، يمكنه أن يضاعف قدرات جيشٍ ما وأن يقلب الموازين، فيحوّل قوة محدودة الإمكانات إلى قوة قادرة على الانتصار على عدوّ أكبر. وبفضل مضاعِفات القوة هذه، انتصرت جيوش صغيرة على خصوم يفوقونها حجمًا وإمكانات، بينما انهارت من دونها قوى عظمى.

لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى هذا النوع من القيادة المضاعِفة للقوة؛ إلى قادةٍ قادرين على تحويل دولة منهكة ومجزّأة إلى طاقة قادرة على الصمود والتجدّد.

دولة محكومة بنظام استهلك نفسه ودمّر كل ما حوله

لم يعرف لبنان منذ نشأته استقرارًا فعليًا. فقد واجه حروبًا، وأزمات اقتصادية، وانهيارات اجتماعية متلاحقة. إلا أن الانهيار الذي يعيشه اليوم ليس مجرّد حصيلة تراكم للأزمات، بل نتيجة مباشرة لنظام سياسي أثبت، مرة بعد مرة، أنه غير قابل للإصلاح. جوهر الخلل واحد: نظام مركزي يمنح النفوذ للطائفة الأقوى وللأوليغارشيين الطائفيين، على حساب الوطن والمواطن.

هذا النظام أتاح لياسر عرفات، ولسوريا، ولإيران ووكلائهم المحليين، كما أتاح لطبقة من الزعماء الفاسدين الإمساك بقرار الدولة وتحويل مؤسساتها إلى أدوات خدمات شخصية. ومع مرور الزمن، تآكلت الدولة وتحولت إلى هيكل فارغ، فيما بقيت المنظومة نفسها متماسكة، تعيد إنتاج سلطتها مهما تبدّلت الظروف. وحتى التحوّلات العميقة التي شهدتها المنطقة بعد أحداث 7 تشرين الأول لم تُحدث أي تغيير في بنية هذه المنظومة. فبينما يتغيّر العالم ويُعاد ترتيب الإقليم، يبقى لبنان عالقًا في قبضة جماعة سياسية لا ترى أبعد من حساباتها الشخصية، ومتمسّكة بالوصفات الفاشلة ذاتها لإنقاذ نظام فاشل، وكأن الزمن لا يعنيها.


أزمة البلد الحقيقية: نظام معطل وغياب القيادة

الحديث عن انهيار النظام يبقى ناقصًا إذا لم نسمِّ الأمور بأسمائها: ما ينقص لبنان ليس حلولًا تقنية، بل قيادات جديدة في كل ملّة. قيادات تدرك أن مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول ليست امتدادًا لما قبلها، وأن إعادة بناء الدولة تتطلّب مشروعًا سياسيًا مختلفًا جذريًا عمّا اعتدناه.

المطلوب قيادة تكون "مضاعِف قوّة"، تعيد الثقة إلى جميع المكوّنات الطائفية، وتكسر الحلقة الحديدية التي تربط الطوائف بدولة مركزية فاشلة عبر زعامات فاسدة كرّست نفسها خادمة لمصالحها بدل مصلحة الوطن.

كمسيحي، أرى بوضوح حجم القلق داخل المجتمع المسيحي: تراجع ديموغرافي، تشرذم سياسي، حملة منظمة على الملكيات العقارية، وانكماش في الدور الوطني التاريخي الذي شكّله المسيحيون منذ تأسيس لبنان.

لكن المشكلة الأبرز تبقى في غياب قيادة قادرة على تقديم مشروع سياسي متكامل. المطلوب اليوم ليس زعامات طائفية إضافية، بل قيادة تطرح رؤية واضحة، من بينها نقاش جدّي حول عقد اجتماعي جديد ونظام فيدرالي عصري يحمي التنوّع ويعالج أصل الخلل في إدارة الدولة ويؤمّن على المدى الطويل شراكة فعلية لا شكلية.

وهذا النقاش لا يجب أن يبقى مسيحيًا فقط. فكل الطوائف مدعوّة إلى إنتاج قيادات جديدة، لأن التغيير لا يمكن أن يكون أحاديًا. لبنان إمّا أن يتغيّر ككل… أو ينهار ككل. فالمعضلة ليست مسألة مسيحية فقط؛ فكل طائفة في لبنان تحتاج إلى عملية تجديد داخلية. السنّة والشيعة والدروز مطالبون بفرز قيادات جديدة تتجاوز نماذج الزعماء التقليديين، وأمراء الحرب، وشبكات المحسوبيات التي حكمت البلاد لعقود.


الوقت يضيق وفرصة التغيير لن تبقى مفتوحة

لبنان أمام منعطف وجودي. فالنظام القديم يتآكل من دون أن يسقط، والمنظومة ما زالت قادرة على تعطيل أي محاولة إصلاح. لكن استمرار الأمور على ما هي عليه لم يعد خيارًا.

الشرق الأوسط يُعاد تشكيله، وإذا لم نشارك في هذا المسار فسيجري تشكيله على حسابنا. وهذا الأمر يكتسب خطورة خاصة بالنسبة إلى المسيحيين، لأن باقي المكوّنات اللبنانية تحظى بدعم رعاة إقليميين قد يجتمعون ويتوصلون إلى تفاهمات تكون على حساب الوجود والدور المسيحي في لبنان.

لقد حان وقت العمل. فالمسيحيون يحتاجون إلى قيادة تُشكّل "مضاعِف قوّة،" قادرة على توحيد المجتمع المسيحي حول مشروع واضح. إن توحيد المسيحيين حول مشروع سياسي متماسك يشكّل بحدّ ذاته مضاعف قوة يمنحهم موقعًا فعليًا على طاولة "عجن" المنطقة، بدل أن يكون مستقبلهم محكومًا بقرارات الآخرين.

وكما كان يقول الأب سمعان الدويهي: "اتّحدوا. فإذا اتحدتم حول أمرٍ خير فهو خير، وإن اتّحدتم حول شر فهو خير أيضاً." إذا لم يظهر جيل جديد من القيادات يمتلك الشجاعة والقدرة على قراءة المرحلة وإطلاق مشروع سياسي جديد، فسنجد أنفسنا أمام انهيار أكبر وأكثر قسوة. والتاريخ لا يرحم المجتمعات التي تتخلّف عن لحظات التحوّل.

لقد غيّر قادة "مضاعفو القوة" مسار دول عديدة عبر التاريخ. ولبنان يحتاج إليهم اليوم أكثر من أي وقت مضى. فهذه ليست دعوة للإصلاح فقط، إنها دعوة للإنقاذ.


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ