الدكتور سايد حرقص

الشيعة بين فكر الإمام محمد مهدي شمس الدين ومشروع "حزب الله"

4 دقائق للقراءة

شهدت الطائفة الشيعية خلال العقود الأخيرة انتقالاً من موقع التهميش التاريخي إلى موقع يمسك بخيوط المعادلات الأساسية في لبنان. غير أنّ هذا الصعود تشكّل عبر مسارين متعارضين بالكامل: مسارٌ وطني إصلاحي قاده الإمام محمد مهدي شمس الدين، ومسارٌ عقائدي–إقليمي تمثّله تجربة "حزب الله". والمقارنة بينهما تكشف رؤيتين متناقضتين لدور الشيعة داخل الدولة ولعلاقتهم بلبنان.

من جهة، تطوّر فكر شمس الدين عبر مراحل متتابعة. فبعد أن تأثر في شبابه، كسائر علماء النجف، بكتابات الحركات الإسلامية في الستينيات والسبعينيات التي رفعت شعار "الأمة" فوق الدولة، انتقل تدريجياً إلى رؤية تُعلِي الدولة الوطنية وتمنح المواطنة الأولوية في بناء الاجتماع السياسي. وقد بقي يستند إلى التجربة الإسلامية الأولى، ولا سيّما موقف الإمام علي من الخوارج حين قال: «لا نمنعكم مساجد الله… ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا». ومن هذا الدرس استنتج شمس الدين أنّ الدولة تتّسع للنقد والمعارضة، وأنّ السلاح خارجها يهدّد الطائفة قبل أن يهدّد الدولة. لذلك جاءت خلاصته الشهيرة: «نحن شيعة عرب… ولا يجوز أن نكون ذراعاً لأي مشروع خارج حدود الدولة».

وتجلّى هذا الخط الفكري بوضوح في محطة مفصلية عام 1985 في طهران، خلال “الملتقى العالمي للفكر الإسلامي” الذي شارك فيه الامام شمس الدين إلى جانب السيد محمد حسين فضل الله. يومها طُرحت، بحسب رواية المفكّر سعود المولى الذي كان حاضراً، فكرة تأسيس "حزب الله" من قبل الرئيس الايراني علي خامنئي (المرشد الحالي) والسفير الايراني في سوريا علي أكبر محتشمي (الذي يعتبر المؤسس الأساسي ل"حزب الله"). فرفض شمس الدين الفكرة لثلاثة أسباب: أوّلها رفض إستخدام إسم الله في مشروع حزبي، وثانيها تأكيد أنّ الأطر الشيعية الموجودة تكفي، وثالثها الدعوة إلى حزب سياسي مدني يشبه الأحزاب الديمقراطية المسيحية، يعمل داخل مؤسسات الدولة لا فوقها. وفي السياق نفسه رفض تطبيق ولاية الفقيه في لبنان قائلاً: «ولاية الفقيه صالحة في إيران، لكنها لا تصلح للبنان المتعدّد». وقد ثبّت موقفه في خطاب تولّيه رئاسة المجلس الشيعي الأعلى عام 1994 بقوله: «لا لبنان من دون مسيحيين كما لا لبنان من دون مسلمين… الدولة للجميع».

على الضفّة المقابلة، سلك "حزب الله" مساراً نقيضاً. فمنذ تأسيسه تبنّى ولاية الفقيه مرجعية سياسية تعلو فوق الدولة، وأعلن أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله: «… فأنا واحد من الذين يعملون في مسيرة "حزب الله"… لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لدي يقين قاطع بأن هذه الأجهزة تتصل عبر مراتب إلى الولي الفقيه القائد…». كما اعتبر الحزب أنّ لبنان ليس دولة مكتفية بذاتها، بل جزء من «الدولة الإسلامية الكبرى» التي عبّر عنها نصر الله بقوله: «نحن كمؤمنين عقائديين نؤمن بالدولة الإسلامية، ولبنان ليس دولة إسلامية واحدة، وإنما جزء من الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليه الإمام الخميني». وبمرور السنوات تحوّل السلاح من أداة مقاومة إلى ركن ثابت "مقدس" فوق منطق المؤسسات، وبنى الحزب منظومة أمنية واقتصادية واجتماعية موازية، جعلته دولة داخل الدولة او جعلت الدولة مجرد "قشرة" تغلف دولة "حزب الله" كما كتب المفكر أحمد بيضون في كتابه «لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود» الصادر عام 2012. وهكذا انتقل بالطائفة من مشروع الاندماج الوطني الذي طوّره شمس الدين إلى مشروع إقليمي واسع جعل الشيعة جزءاً من محور يدور حول مصالح طهران.

مشروع الامام شمس الدين يراهن على دولة تحمي الجميع، وعلى شيعة مندمجين بعمق في الوطن.

ومشروع "حزب الله" يراهن على السلاح وولاية الفقيه، بما يضع الطائفة في موقع اشتباك دائم مع الداخل والخارج.

وبين مشروع الدولة ومشروع القوة يتحدّد مستقبل الشيعة في لبنان:

هل يعودون إلى رؤية وطنية جامعة؟

أم يستمرّ المسار الذي يربطهم بصراعات لا تنتهي؟