سامر زريق

لبنان يطلق النار على دبلوماسية الحرس الثوري

4 دقائق للقراءة
يُعدّ الرد اللبناني تجسيدًا لمرحلة انتقالية (إنترنت)

الدبلوماسية ميدان واسع تمتزج فيه وسائل العمل السياسي بالأمني ضمن محاولات تحسين الموقف العام قبل الوصول إلى صياغة تفاهمات واتفاقيات تترجم نتائج الحروب والصراعات. غير أن نظام الملالي، كما الأنظمة التوتاليتارية، يحترف دبلوماسية الرقص فوق الدماء والجثث، حيث يعتمد على الحرس الثوري كركيزة أساسية في دبلوماسية تمتلك وجوهًا سياسية وليس العكس، تستغل الاتفاقيات والمواثيق الدولية كإطار هوياتي لحماية تغوّلها في انتهاك سيادة الدول والعبث بأمنها، بموازاة العامل الديني المؤثر. ولنا في لبنان المثال الأبرز.

ضمن هذه الاستراتيجية، دأب نظام الملالي أخيرًا على سياسة إغراق دوائر "الأمم المتحدة" بالشكاوى والبيانات، لكونها لا تزال تشكل إطارًا مرجعيًا ناظمًا للعلاقات الدولية، وتثبّت الوثائق والاتفاقيات وتوثّق الاعتداءات، وتوفر منصة عالمية لتسويق الخطاب السياسي.

في آذار الماضي، تقدّمت إيران بـ3 شكاوى لـ"مجلس الأمن" حول تهديدات إسرائيل لبعثتها الدبلوماسية في لبنان، أي الإنذار الموجّه لضباط الحرس الثوري العاملين على أراضينا، واستهدافها 6 دبلوماسيين، 4 منهم الضباط الذين اغتالتهم بقصف طال فندق "رمادا" بالروشة، واثنين آخرين في عمليتين منفصلتين.

بناء على طلب "مجلس الأمن"، وتعليمات الحكومة، ردّ لبنان بشكل رسمي في 21 نيسان، برسالة من المندوب اللبناني في الأمم المتحدة، السفير أحمد عرفة، موجهة إلى رئاسة المجلس والأمين العام لـ"الأمم المتحدة"، يمكن اعتبارها بمثابة نقطة تحوّل في السياسة الخارجية.

تنطلق الرسالة بالتأكيد على التزام لبنان بـ"اتفاقية فيينا" و"منع الجرائم ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية"، وبـ"شجب استهداف الدبلوماسيين الإيرانيين"، لتمضي في تفنيد خروقات نظام الملالي لـ"اتفاقية فيينا"، والمزاعم الواردة في الشكوى في 4 آذار عقب مقتل الدبلوماسيين الأربعة، بأنها أخطرت الخارجية اللبنانية ونسقت معها عملية انتقالهم إلى فندق "رمادا"، حيث تبيّن أن سفارة إيران في بيروت أرسلت رسالة إلى الخارجية اللبنانية بتاريخ 16 آذار تقول فيها إنه "تم نقل الدبلوماسيين الأربعة إلى الفندق بسبب ظروف أمنية حساسة، ولم تسنح الفرصة للتواصل مع وزارة الخارجية وإبلاغها".

كذلك يبيّن الرد اللبناني على الشكوى الإيرانية، التي أدرجت أسماء الدبلوماسيين الـ6 ورتبهم، أن اثنين منهم، أحمد رسولي وأمير مرادي، وُضعا تحت صفة "منتدب"، فيما لم يُحط الجانب اللبناني بوجودهما ولا بصفتهما وفق الأصول المعتمدة.

كما يكشف الرد عن إرسال وزارة الخارجية رسالة للسفارة الإيرانية في بيروت غداة استهداف دبلوماسييها، طالبة تزويدها بـ"لائحة محدثة بأسماء الدبلوماسيين العاملين، وبإعادة البطاقات الدبلوماسية العائدة لمن غادر". فردّت السفارة بالتعهد بتقديم اللائحة قيد الإعداد، والتي لم تعرف طريق "قصر بسترس" حتى اللحظة.

ليصل الرد اللبناني إلى أخطر نقطة، بالاستناد إلى إعلان وسائل إعلام إيرانية عن انتماء هؤلاء الدبلوماسيين إلى الحرس الثوري ونشر صورهم باللباس العسكري، إلى جانب بيانات صادرة عن الأخير عن تنفيذ عمليات مشتركة مع "حزب الله"، لاعتبار استخدام إيران لحرسها الثوري في لبنان بغطاء دبلوماسي تحديًا لقرار الحكومة اللبنانية في 5 آذار بـ"منع أي نشاط لعناصر الحرس الثوري في لبنان". يضاف إلى ذلك تحدي إبقاء السفير المعين في لبنان، محمد رضا شيباني، رغم قرار سحب اعتماده نتيجة مواقف أطلقها تُعد انتهاكًا لـ"اتفاقية فيينا".

والحال أن أهمية الرد اللبناني تكمن في إظهار وتثبيت التحول العميق في قرار الدولة الاستراتيجي. فتفكيك الرواية الإيرانية ووضعها في سياقها الصحيح، يختزن حمولة مكثفة حول إعادة تعريف العلاقة بين إيران ولبنان وإخراجها من منطق "الساحة الحلال" ودائرة "التابع والمتبوع" عبر خلق اشتباك محدود يمهد لإعادة صياغة العلاقات بين البلدين وفق قواعد أكثر ندية واحترامًا، وإما التدرج نحو تخفيض التمثيل الدبلوماسي، وصولا إلى إمكانية قطع العلاقة المسمومة على قاعدة "آخر الدواء الكي".

يُعدّ الرد اللبناني المصاغ بلغة هادئة وبمصطلحات دبلوماسية محكمة، تجسيدًا لمرحلة انتقالية تُطوى فيها صفحة الهيمنة الإيرانية على قرار الدولة السياسي. تخيلوا لو أن هذا الرد حصل خلال عهود الحكم السابقة، كيف سيكون مضمونه؟