مايا الخوري

برعاية الاستهلاك المفرط للمضاد الحيوي

سباق بين التطوّر البكتيري والأبحاث العلمية

4 دقائق للقراءة

سُجّل في السنوات العشر الأخيرة تزايد ملحوظ في نسبة استهلاك المضادات الحيوية عالميًا ومحليًا، ما أدّى إلى ظهور متحوّرات بكتيرية مقاومة للعلاج المتعارف عليه، وبالتالي أصبحنا أمام سباق مستمرّ بين تطوّر البكتيريا والأبحاث العلمية.

ثمة اتجاه عالمي ومحلي للحد من الاستهلاك غير المبرر والمفرط للمضادات الحيوية الذي يعتبره الطبيب ريمون مخايل، أخصائي في الأمراض الجرثومية لدى الأطفال نتيجة عدم وعي وإدراك الناس الذين يظنون أن ارتفاع الحرارة، أي العدوى الفيروسية تستوجب تناول مضاد حيوي.

موضحًا الخطأ الشائع باعتبار الجسم هو المقاوم لعلاج المضادات الحيوية، "بينما الصحيح هو أنها الداعم لجهاز المناعة لمقاومة الالتهاب الناتج عن عدوى بكتيرية. وبالتالي فإن البكتيريا هي التي تقاوم المضاد الحيوي".

وأشار إلى أن الاستهلاك المفرط للمضادات الحيوية من دون سبب صحّي يستوجب ذلك، حوّر في أنواع البكتيريا المتعارف عليها ما أدى إلى ظهور أنواع أخرى مقاومة (bactérie resistante)، تتطوّر وتتحوّر بشكل أسرع من الأبحاث العلمية ومن اكتشاف مضادات حيوية جديدة معالجة لها، ما حال دون تحقيق العلاج المطلوب عبر الأدوية المتوافرة.

إلى ذلك يعمد بعض أطباء الأطفال إلى وصفه رضوخًا لضغط الأهل القلقين على صحة طفلهم، كما يصفه بعض الصيادلة لكل من يعاني من ارتفاع الحرارة، من دون الأخذ في الاعتبار تداعيات هذا الاستهلاك غير المناسب.

وردًا عن سؤال حول الآثار السلبية الناتجة عن ذلك يقول: "نضطر أحيانًا كثيرة بسبب عدم تجاوب الطفل مع علاج المضاد الحيوي الفموي، إلى حقنه في العضل أو إدخاله المستشفى لتلقيه في المصل، ما يترتب عليه كلفة صحية مرتفعة، إذ بدلًا من تلقيه العلاج في المنزل للعودة بعد 3 أيّام إلى المدرسة وممارسة نشاطاته العادية، يضطر إلى ملازمة المستشفى مدّة أسبوع أو أكثر".

وعن المضاعفات الصحية في حال لم تتجاوب البكتيريا مع هذا العلاج، يجيب: "في حال انتبه الطبيب سريعًا إلى مقاومة البكتيريا للعلاج، يُدخله فورًا إلى المستشفى. وإذا لم يحصل، قد يتفاقم الالتهاب ويصبح قاسيًا".

وعن الأنواع البكتيرية الأكثر شيوعًا، يوضح "أن البكتيريا بأنواعها كافة ممكن أن تصبح مقاومة للعلاج مسببة مشكلات صحية كبيرة، إلا أن تلك المسؤولة عن التهابات البول هي الأكثر شيوعًا في هذا الإطار، وكذلك البكتيريا الأساسية pneumocoque المسؤولة عن التهابات الرئة والجيوب الأنفية والتهاب الأذن الوسطى، ففي حال كوّنت مناعة قوية على المضادات الحيوية سببت مشكلات صحية كبيرة عند الأطفال". مشيرًا إلى "تفاوت نسبة الخطورة بحسب درجة الالتهاب ومدى أو موقع تفشيه في الجسم".

وما هي الأعراض التي تشير إلى عدم تجاوب الطفل مع العلاج المنزلي؟ يقول: "في حال لم يتحسّن الطفل بعد 48 ساعة من بدء العلاج، أي لم يستعد نشاطه الطبيعي وشهيته، وفي حال عدم انخفاض الحرارة، عندها يجب مراجعة الطبيب".

وعن كيفية استعادة الجسم عافيته بعد الاستهلاك المفرط للمضادات الحيوية، يوضح المغالطات الشائعة في هذا الإطار أيضًا، "حيث يظن الناس أن المناعة تنخفض عند تناول هذه الأدوية، ولكن الصحيح أن المضاد الحيوي يساعد المناعة على التخلّص من الالتهاب. مع الإشارة إلى أن مفعوله يختفي من الجسم بعد 10 أو 12 ساعة من التوقف عن تناوله. وبالتالي ليس استهلاك المضاد الحيوي هو المشكلة بحد ذاتها، بل الإفراط في تناوله من دون سبب صحيّ".

وعمّا إذا كانت هناك حملات توعية صحية للحد من الاستهلاك غير الصحيح للمضادات الحيوية، يؤكد أن تثقيف الأطباء مستمرّ في هذا الإطار حيث السعي دائمًا إلى الاضاءة على كيفية الاستخدام الآمن للمضاد الحيوي في المؤتمرات المنعقدة دوريًا.

أمّا بالنسبة إلى الصيادلة، فيتوجب على وزارة الصحة اللبنانية ونقابة الصيادلة وضع القوانين الملائمة والمراقبة لمنع بيع المضادات الحيوية من دون وصفة طبية أسوة بكل بلدان العالم.


دور الإعلام

على الصعيد المجتمعي، يدعو د. مخايل الإعلام إلى المساهمة في الإضاءة على أهمية الاستخدام الآمن للمضادات الحيوية والتنبيه إلى مخاطر استهلاكه المفرط من دون سبب صحّي يستوجب ذلك، أو من دون مراجعة الطبيب، كما دعا الأهل إلى عدم إهمال اللقاحات الأساسية للأطفال مشددًا على أهمية التلقيح ضد الأمراض الالتهابية لأنه يحدّ كثيرًا من حدوثها وانتشارها.