رفيق خوري

حسابات الهرب من ثمن الحكومة

3 دقائق للقراءة

مسرح العبث صار الواقع في لبنان، حيث المشهد تراجيدي من جهة وسوريالي عبثي من جهة أخرى. بلد منهار يقترب من الإنحلال، ومحكوم بأن يبقى أسير الذين يمثلون مسرحية "في انتظار غودو". ولعنته، فوق كل أزماته، ليست فقط استخدامه كورقة في رهانات على مقايضة إقليمية - دولية من النوع الذي يأتي ولا يأتي، بل أيضاً أن الورقة فقدت قيمتها في زحام الأدوار والأوراق. والباقي من الورقة للتوظيف هو معركة الحكومة، بحيث نعاقب لبنان باللاحكومة كوسيلة متخيلة للمقايضة حين تدق ساعة المفاوضات بين أميركا وايران، بعد تسلم الرئيس المنتخب جو بايدن السلطة في العشرين من الشهر المقبل وإكمال إدارته وترتيب أولوياته. وهي مفاوضات يسبقها أخذ ورد حول الإتفاق النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الاقليمي الايراني، وقد لا تبدأ قبل الصيف المقبل. أما الجانب المحلي من اللعبة فانه يدار بحسابات التصور انه لن تكون هناك انتخابات نيابية في الموعد الدستوري ولا انتخابات رئاسية بعد نهاية العهد الحالي. وهكذا يصر كل طرف من الأطراف الأساسية على أن تكون له حصة الاسد في مجلس الوزراء المرشح لأن يقوم مقام الرئاسة. وبعضهم، على العكس، يصر على حكومة تضمن له الحظ في السباق الرئاسي.

ولا نهاية للمشهد التراجيدي - السوريالي العجيب، ولا فرق بين الصمت والثرثرة في انتظار غودو. فالعقدة المباشرة هي كلفة الحكومة ومن يدفعها. ثمن حكومة المحاصصة التي يطلب "محور الممانعة" تأليفها هو عزلة البلد العربية والدولية والامتناع عن تقديم المساعدات لإنقاذه، باستثناء المساعدات الانسانية للمجتمع المدني. ومن الصعب على أوساط عدة دفع هذا الثمن لأنه في حال لبنان المنهار يكاد يكون "جريمة ضد الانسانية". أما الثمن السياسي الذي يسعى أهل "المحور" للحصول عليه بالتعطيل، فان فرنسا لا تستطيع دفعه وأميركا لا تريد دفعه. وأما حكومة المهمة التي يطلبها الرئيس الفرنسي ماكرون والمجتمع الدولي والشعب، لإجراء الإصلاحات البنيوية ومكافحة الفساد ووقف السطو على المال العام وأموال المساعدات والقروض، فان المافيا السياسية والمالية والميليشياوية ترفض دفع كلفتها لأنها مسألة حياة او موت عندها.

والنتيجة هي ان المزيج من الإستهتار والإستئثار قاد الى الإستعصاء. فالتسوية صارت صعبة في بلد التسويات. والحل الجذري كان ولا يزال مهمة مستحيلة. ولا مجال للحفاظ على الستاتيكو في الطريق الانحداري. ولا بد، بقوة الإشباه، من فتح اللعبة المغلقة بانفجار أو بانفراج. فهل صار قدرنا تطبيق معادلة ماوتسي تونغ: "الأشياء يجب أن تصبح أسوأ لكي تصير أفضل؟".

من آيات القرآن الكريم: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا أنهم هم المفسدون لكنهم لا يشعرون".

والفساد بالنسبة الى المصلحين - الفاسدين - المفسدين في لبنان نهج حياة وسلطة.