ريتا عازار

النشرة الجوية السياسية في لبنان: طقسٌ خارج السيطرة وتصريحات هاربة من نفسها

6 دقائق للقراءة

مرحبًا بكم في النشرة الجوية السياسية اللبنانية، البرنامج الوحيد الذي يتنبّأ بشيء لا يمكن التنبّؤ به، ويشرح ما لا يمكن شرحه، ويقدّم توقعات لا علاقة لها بالتوقعات، لكننا رغم ذلك نتابعه لأن عندنا أملًا، أو لأن ليس لدينا خيارات أخرى. هذه النشرة مقدَّمة لكم من "هيئة الأرصاد السياسية اللبنانية"، الهيئة التي لا تملك لا أرصادًا ولا معدات ولا حتى نيّة التوقع. هيا نبدأ.

الإثنين: تصريحات تركض

يبدأ الأسبوع بعاصفة من القرارات التي لا تشبه القرارات: طرف يصرّح، ثانٍ يناقضه، وثالث يوضح أن الثاني فهم الأول "غلط"، ثم يظهر الرابع ليؤكّد أن الثلاثة أعلنوا شيئًا لم يقصدوه أصلًا. الجوّ السياسيّ يُشبه مروحة عملاقة تدور على سرعة 4 بلا كهرباء، ولا أحد يعرف من يشغلها.

مؤشرات اليوم:

• انخفاض كبير في مستوى الأمل لدى المواطنين مع ارتفاع في مستوى السخرية.

• تشتدّ رياح "نحن نعمل ليلًا ونهارًا"، وهي رياح لا يشعر بها الناس لأنها تهبّ على كوكب آخر.

• ظهور موجة غبار من التحليلات السياسية التي تُكتب قبل معرفة الخبر.

فقرة جنونية إضافية:

جرى تسجيل حادثة نادرة هذا الصباح، إذ حاول أحد المواطنين فهم تصريح سياسي من دون مساعدة مختص، فدخل في دوّامة هوائية جعلته يسمع التصريح نفسه بمئة طريقة مختلفة خلال ثلاث ثوانٍ. نُقل إلى "مستشفى ضحايا التخبط السياسي" حيث وصفوا حالته بأنها "مستقرّة لكنها مضحكة".


الثلثاء: مطر وُعود وبرق اجتماعات

البرلمان اليوم مغطّى بسحابة ضخمة "إلى حين توفر الظروف". السحابة نفسها التي كانت فوقه منذ أعوام طويلة وما زالت مقيمة، لا تدفع إيجارًا ولا تستحي.

رياح جانبية من اللجان الفرعية تتصادم مع رياح اللجان المشتركة، ما يؤدي إلى إعصار صغير اسمه "تأجيل الجلسة". العاصفة تتحرّك ببطء شديد لدرجة أن كوكب بلوتو يدور حول الشمس أسرع منها.

مؤشرات اليوم:

• احتمال 90 % لسماع الجملة السحرية: "نحن بانتظار توافق شامل".

• احتمال 120 % لعدم حصول أي توافق.

فقرة جنونية إضافية:

رُصدت حالة نادرة، إذ قال أحد النواب: "علينا التحرّك بسرعة"، ما أدّى إلى انقطاع التيار الكهربائي داخل القاعة بسبب الصدمة، ولم يتمكّن المولّد السياسي من تحمّل المفاجأة، فانطفأ وترك الجميع في ظلام تشريعي دامس.


الأربعاء: فيضان كلامي

الأربعاء يوم الوعود الخفيفة. يبدأ النهار بـ "نحن نضع اللمسات الأخيرة"، ثمّ يتحوّل بعد الظهر إلى أمطار غزيرة من "سوف نعلن قريبًا"، تنتهي عادةً بأمطار طينيّة اسمها: "نعتذر عن التأخير لأسباب تقنية".

يُسجّل اليوم اضطراب في مزاج المواطنين، حيث ترتفع نسبة الحساسية السياسية. يبلّغ بعض الناس عن أعراض كالحكّة في الوعي أو طفح في الصبر.

مؤشرات اليوم:

• ظهور قوس قزح في النشرات التلفزيونية من كثرة التصريحات المتباينة، لكن من دون أي علاقة بالسماء.

• تجمّع برك من التفاؤل الساذج سرعان ما تتبخر.

فقرة جنونية إضافية:

وَرَد بلاغ عن مواطن كان يراقب نشرة الأخبار، وفجأة سمع وعدًا منطقيًا. وأشار إلى أنه اعتقد أن هناك خللًا في الصوت، فأعاد تشغيل التلفاز، لكنه اكتشف لاحقًا أن ما سمعه مجرّد صدى لتفاؤله الداخلي، وليس من النشرة.


الخميس: مثلّث برمودا السياسي

الخميس هو يوم "الضباب السياسي الشامل". تبدأ الاتصالات، تنطلق المشاورات، تتحرّك المفاوضات، ثمّ يختفي كلّ شيء بطريقة تشبه ابتلاع مثلّث برمودا للسفن.

يسمع المواطن أن الاجتماعات "إيجابية"، ثمّ يسمع أنها "غير حاسمة"، ثم يسمع أنها "مستمرّة"، ثمّ لا يعود يسمع شيئًا، لأن الضباب يغطّي كلّ شيء.

مؤشرات اليوم:

• انعدام الرؤية بالكامل، حتى بواسطة كاميرات المراقبة.

• احتمال سماع مصطلحات مثل: "تقدُّم بسيط"، "عقبات طفيفة"، "الأمور على السكة". وهي مصطلحات تُستخدم فقط عندما لا يسير شيء فعليًا على السكة.

فقرة جنونية إضافية:

حدث أن أحد المراسلين دخل مقرّ الاجتماعات، لكنه خرج بعد ساعتَين من الباب نفسه متفاجئًا لأنه كان يظن أنه في الداخل. تبيّن لاحقًا أن الضباب كان يلفه من الجهات كلّها، لدرجة أنه لم يدرك أنه لم يتحرّك من مكانه.


الجمعة: بركان إعلامي

الجمعة يوم الانفجار الإعلامي الكبير. تشتعل الشاشات، ترتفع الأصوات، تُفتح الملفات، تُقفل الملفات، تُرمى الاتهامات، يُعاد تدوير الاتهامات، ويكاد المشاهد يفقد السمع والبصر والذوق.

ثمّ فجأة سكون... هدوء غير طبيعي. كلّ الأطراف تعلن: "لا خلاف، الأمور ممتازة". وهكذا يصاب الجمهور بما يسمّى: "متلازمة ما فهمت شي من شي".

مؤشرات اليوم:

• اهتزاز خفيف في مزاج الناس عند سماع كلمتَي: "مصادر مطلعة".

• انفجار كبير عند سماع عبارة: "حلّ شامل قريب".

فقرة جنونية إضافية:

سُجّلت الجمعة ظاهرة غريبة، إذ إن أحد الإعلاميين رفع صوته كثيرًا خلال مناظرة، فانفتح باب الستوديو بفعل شدّة الهواء، وسقطت ورقة، فاعتقد المشاهدون لوهلة أن الحقيقة سقطت معه، لكن الحقيقة لم تكن موجودة أصلًا في الستوديو.


السبت: مرتفع جوي من السعادة الشعبية

السبت هو يوم الشعب، وليس للسياسة أي سيطرة عليه. المقاهي تعجّ، الطرقات مكتظة، الضحك مسيطر، والأغنيات تعمل بصوت أعلى من صوت المولّد. يشعر الجميع وكأن السياسة حدثت في دولة ثانية. الناس يبتكرون جوًّا خاصًا بهم، يشبه مناخًا من كوكب آخر، قليل من الهمّ، كثير من "كلّو ماشي".

مؤشرات اليوم:

• موجة حرارة بشريّة في الشوارع، ناتجة عن التجمّعات والضحك.

• انخفاض في نسبة الاهتمام السياسي، قد يصل إلى 70 %.

فقرة جنونية إضافية:

سُجِّلت ظاهرة لافتة إذ قرّر أحد المواطنين عدم متابعة الأخبار، فلاحظ تغيُّرًا فوريًا في طقسه الداخلي: ارتفعت نسبة سعادته 300 %، انخفض ضغطه النفسي، وتحسّنت نوعية نومه لدرجة أنه حلم بأن البلد شغال، وهذا يُعتبر ظاهرة مناخية نادرة جدًا.


الأحد: رعد دبلوماسي من الخارج

الأحد يوم الصمت المتوتر إذ تأتي الأخبار من الخارج مثل رعد بعيد، مبعوث قادم، مبادرة جديدة، كلمات مثل "خارطة الطريق"، "حزمة الإصلاحات"، "أجواء إيجابية"... وكلّها تخيّم في السماء من دون أن تمطر شيئًا.

مؤشرات اليوم:

• غيوم كثيفة من "سنرى".

• احتمال 70 % لتأجيل القرارات إلى الأسبوع المقبل.

• احتمال 200 % لعدم حصول أي جديد.

فقرة جنونية إضافية: رُصدت حالة غريبة لسحابة دبلوماسية دخلت المجال الجويّ اللبناني، لكنها توقفت فجأة وبدأت تمطر تصريحات مختلفة في كلّ منطقة: في بيروت أمطرت تفاؤلًا، في جبل لبنان هطلت تحفظات، وفي الجنوب تساقطت "نحتاج وقتًا"... ثمّ ذابت السّحابة لأنها أدركت أنها غير مجهّزة لهذا النوع من الطقس.


أسبوع نموذجي

باختصار شديد في الأفق رياح متناقضة، سحب متراكمة، ضباب كثيف، أمطار من الوعود، زلازل إعلامية، وبركان تصريحات. ومع ذلك، الشعب ثابت. إنها القدرة الفريدة التي لا تفسير لها: "استقرار رغم عدم الاستقرار". وهو الاستقرار الوحيد الذي تعرفه البلاد، والذي يجعل اللبنانيّين يضحكون بدل أن يبكوا.

نلتقي أو قد لا نلتقي في نشرات إخبارية مقبلة، إذا حصل شيء جديد أو إذا لم يحصل. وفي الحالَين، وتحت المظلّة السياسيّة المتعدّدة الثقوب لا بد أننا سنروي القصّة بطريقة مضحكة مبكية.


طقس لبنان