جورج أنيس خاطر

اختيار بين الإنقاذ والانتحار

4 دقائق للقراءة

نداء إلى أصحاب القرار:

أنا مواطن لبناني أبًا عن جدّ. ولائي لوطني. لا أنتمي إلى حزب أو تيّار أو حركة ولا أحترم كلّ طائفة فيها تعصّب. وإني أُطلق هذا النداء بعدما عملت نصف قرن في الإعلام والثقافة والمسرح والتلفزيون في لبنان ودول عربية وغربية، وأصدرت كتابي الأوّل عن قصة حقيقية من الحرب اللبنانية فيها مآسٍ كثيرة أصابتني منذ 1958 وصولًا إلى اليوم. وإن اللّه أنقذني من عدّة محاولات لتصفيتي جسديًّا بسبب مواقفي الإنسانية مع الحق ضد الباطل، فجرى خطفي ظلمًا مرّة من منزلي في منطقة "بوليفار الرئيس شمعون" ومرّة ثانية في منطقة طريق البسطة. وقد أكون المخطوف الوحيد في الحرب الذي انتصر على خاطفيه بالكلام، وأنقذ حياته وحياة عائلته بفضل اللّه. وأيضًا نجوت من تهمة التخوين والتهديد بالقتل مرّات عديدة من مسلّحي أبناء طائفتي بسبب تدخلي إنسانيًا لإنقاذ مخطوفين من غير ديني باستعمال وصايا المسيح: "من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ"، حتى لا يقع ظلم على بريء. وللأسف، فقدت بالحروب الطائفية أرواحًا بريئة من عائلتي وخلال أزمات مأسويّة تميّزت بخلافات طائفية بين لبنانيين لصالح الغرباء، هجّرتني من منزلي وبلدي. وحصل احتلال لبنان من مقاومة فلسطينية ثمّ جيوش أجنبية وسورية، واجتياح إسرائيلي وضدّه مقاومة "حزب اللّه". فمن رحم 67 سنة حروبًا سياسية ومذهبية وبين أبناء الطائفة الواحدة، ثمّة انقسام طائفي وسياسي اليوم، ينذر بجولة جديدة لحرب أهلية تريدها إسرائيل وتعمل على تحقيقها بالحديد والنار جوًّا وبحرًا وبرًّا. ومع حروب إسرائيل، وحروب في الداخل مع اللاجئين الفلسطينيين بدأت سنة 1973، وتجدّدت في حرب المقاومة لإسناد غزة، وجدتُ فسحة أمل بزيارة الحبر الأعظم ودعوته للمصالحة والحوار.

شكرًا قداسة البابا. نعم لم يبقَ أمام أمراء الحروب الأهليّة سوى اللقاء للتحاور والاتفاق، لأن الوفاق الحالي يفتقد للصدق، وأيضًا الولاء للوطن ينقصه الإخلاص، كما أن الوحدة الوطنية مجرّد شعار. أما الانتماء فموجود، ولكن للطوائف والمذاهب والأحزاب. والمطلوب من الجميع تلبية نداء رسول السلام، البابا، ودعوة من حضرة رئيس الجمهورية لجلسة حوار يحضرها رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ورؤساء الكتل البرلمانية ورؤساء الأحزاب ورجالات علم وخبراء يعطون الحوار قيمة مضافة، دعامة لنجاح الحوار ليتحقق الإجماع على حلّ ينقذ لبنان من الأخطار التي تهدّد وحدته ووجوده. وعلى جميع المشاركين تأكيد تضامنهم بأداء قسم على الاتفاق والتوقيع عليه. وإذا فشل الحوار ليكون بديله الحرب، فليكن التقاتل بين الذين رفضوا الحوار أنفسهم، ولتسقط الضحايا منهم وليس كما حصل في الحروب السابقة، حيث الذين أرادوها اختبأوا وتقاتلوا بالأبرياء. لا، ثمّ لا لتجّار الحروب، فالأبرياء - ونحن منهم - ألغينا من قاموسنا القول التافه : "بالروح بالدم نفديك يا صنم". وقرّرنا البقاء على قيد الحياة من أجل حماية لبنان، فحان الوقت ليعيش المواطن البريء وتكون الضحايا من صناع الحروب أنفسهم، وبذلك يتحقق الحوار ويحصل الوفاق الحقيقي.

نعم، لم يبقَ من خيار غير الحوار لإنقاذ الوطن من الزوال قبل فوات الأوان. فهل يوجد رجال أحرار يقولون نعم للحوار؟

إنني أحترم وأقدّر وأثق بحكمة حضرة رئيس الجمهورية وجميع الذين يحضرون ويشاركون في الحوار، وإن ما ورد أعلاه هو من رحم المآسي التي رافقت عمري، فأطلقت النداء كي لا تستمرّ وترافق عمر الأولاد والأحفاد. وهذا النداء اقتراح أيضًا ضمن حرية الرأي والتعبير لإنهاء الحروب العبثية الخارجية والطائفية.

كذلك أتبنى نداء البابا لاوون الرابع عشر بسحب السلاح من القلوب واعتماد الحوار. وهذه ملاحظة لمن لا يعرف وينبغي أن يعرف من هو البابا. والبداية لماذا الحبر الأعظم؟ ذلك لأنه خليفة أول حبر أعظم، القديس بطرس، الذي جعله السيد المسيح عليه السلام أوّل ممثل له على الأرض، وقال له: "يا بطرس أنت الصخرة وعليها أبني بيعتي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها". والبابا لاوون رأس الكنيسة على الأرض والذي يجلس على العرش البابوي في دولة الفاتيكان التي يبلغ عدد أتباعها في العالم مليارًا ونصف مليار مؤمن. والأهم أن دولة البابا، سلاحها حدّده الرب يسوع المسيح عليه السلام، بالتالي: المحبة والتسامح والمغفرة وتحريم القتل والعنف والظلم والاضطهاد، بل قال: "سامحوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم". وفي عصرنا، سامح الفاتيكان اليهود، وبرّأهم من صلب المسيح عليه السلام، الذي وهو مسمّر على الصليب غفر لمن اضطهده، فقال: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون". كما أن البابا يوحنا بولس الثاني الذي أنقذه اللّه من الموت بسلاح شاب تركي، حمل جراحه وذهب إلى سجن من أراد قتله وسامحه وغفر له. فأقوى سلاح أراده المسيح عليه السلام لكلّ بابا وجميع أتباعه هو: "المحبة والتسامح والمغفرة". وطوبى لصانعي السلام.