في زمن تزدحم فيه البلاد بأسئلتها القاسية، ويضيق المسرح في لبنان بين أزمة اقتصادية وثقافة الاستسهال، تخرج لينا خوري من صمت ستة أعوام لتعيد الهواء إلى خشبةٍ اشتاقت إلى نبضها. فالمخرجة والكاتبة والممثلة التي صنعت تاريخًا مسرحيًّا طويلًا، عادت عبر تجربة جديدة تُعيد فيها اكتشاف ذاتها وتختبر حدود قدراتها، حاملةً في يدٍ فلسفةً عميقة، وفي يدٍ أخرى كوميديا سوداء تُشبه وجع الناس وخفتهم في آنٍ. عودةٌ ليست مجرّد عرض جديد، إنما احتفال جماعي بذاكرة المسرح، وبمعنى الانتماء إلى فن لا يخون.
«انطلاق هذا العمل المسرحي جاء ضمن برنامج «الجامعة اللبنانية الأميركيّة» الذي يقوم في كلّ فصل على إنتاج مسرحية كبرى يُشارك فيها طلاب وخريجون ومحترفون»، على ما تقول لينا خوري في حديثها مع «نداء الوطن». هذا التقليد توقف ست سنوات لأسباب عدّة أبرزها جائحة كورونا، ومع قرار العودة أرادت خوري أن يشكّل العمل الذي ستقدّمه «عودة قوية» تحمل روح الإنتاج الجامعي الذي يتيح التجربة، والجرأة، والرؤية الإخراجية غير المقيّدة بسوق الإنتاج أو حساباته. فاختارت نصًّا يضمّ 24 شخصية، إضافةً إلى فريق تقني وفني بلغ 50 شخصًا بين ممثلين ومصمّمي أزياء وديكور وإضاءة وتقنيين.
حب كامل بلا مقابل
تتابع خوري: «أردتُ العودة من خلال مسرحيّة كبيرة تضم عددًا ضخمًا من الشخصيات، تعيد تسليط الضوء على منهج المسرح في «الجامعة اللبنانية الأميركيّة». وتشرح أنها تعمّدت هذه المرّة أن يكون جميع المشاركين من خرّيجي البرنامج المسرحي نفسه: خمس دفعات كاملة من السبعينات حتى اليوم، يعملون بحبّ كامل وبلا مقابل، رغبةً في إعادة الروح إلى هذا الصرح المسرحي.
إذًا، جميع الممثلين والمصمّمين والتقنيين في مسرحيّة «أبو الزوس» هم من خرّيجي وخرّيجات برامج فنون الاتصال والمسرح والتلفزيون والسينما والفنون الجميلة في «LAU». يشارك في التمثيل: طارق تميم، سَني عبد الباقي، وفاء حلاوي، طلال الجردي، مروان طراف، إيلي ف. حبيب، عليّة الخالدي، هالة المصري، هيثم شمص، رياض قبيسي، سامي حمدان، سمية خولي قبيسي، محمد مسلماني، نسيب نعيمه، فيروز أبو حسن، مريم شومان، عليا عبد الباقي، لارا أبو دهن، غايتانا كفروني، غايا صوايا، كريم مكارم، أنجلينا فرح، منى كنيعو، عمر مجاعص، سوزي شمعة، مي غيبة، ميغان عيتاني، محمد أسعد، منار وهبي، إيلات قنيزح، سمير أندريا، ولينا خوري.
لماذا وودي آلن؟
اختارت لينا خوري لمسرحيّتها نصًّا مقتبسًا عن مسرحية لــ Woody Allen، نسألها عن السبب فتجيب أن هذا النص تحديدًا لطالما أثار إعجابها، وأنه يمزج بين ستة إلى سبعة أنواع مسرحيّة في عمل واحد: الكوميديا، والتراجيديا، والعبث، والمسرح الفلسفي، والـ «Musical»، والكوميديا السوداء. هذا المزج يمنح العمل بحسب خوري قدرة على طرح أسئلة وجودية عميقة وسط الظرف اللبناني الراهن. وتوضح: «في ظلّ ما نعيشه من حروب وأزمات، تظهر الأسئلة الكبرى: هل نحن محكومون بأن نعيش في هذه الفوضى؟ هل نملك القدرة على التحكم بمصائرنا؟ هل الخلاص ممكن؟» النص يطرح هذه الأسئلة من خلال فوضى مقصودة تتطلّب مهارة إخراجية عالية لضبطها».
تحكي خوري أن المسرحية الأصلية تقع أحداثها بين أثينا ونيويورك، وبين كاتب وممثل يبحثان عن فكرة تكون نهاية لمسرحيّة يعدّانها. وبرغبة منها في مقاربة الجمهور اللبناني، أبقت مخرجة العمل أثينا كرمز أساسي، لكنها استبدلت نيويورك ببيروت. وتضيف: «جميع الإسقاطات التي وضعها وودي آلن عن نيويورك نقلتُها إلى بيروت بأسلوب يحترم النص الأصلي، ويحافظ على روح الفكاهة والسخرية».
ترى خوري أن الكوميديا السوداء هي الأقرب إلى روحها الإخراجية، لأنها تسمح بتمرير أسئلة فلسفية واجتماعية وسياسية بذكاء وسلاسة، وتمنح الجمهور متعة التفكير والضحك في وقت واحد. كما تعتبر أن مهمّة المُخرج لا تقتصر على تنفيذ نصّ، بل على فهم فلسفته وأبعاده والبحث عميقًا، لأن كلّ نص وُلد في سياقه التاريخي والإنساني، وعلى المُخرج إعادة إحيائه بطريقة تلائم الزمن الحاضر.
خلف الكواليس، كانت التجربة دافئة بين أفراد فريق العمل. تقول خوري: «الأمر لم يكن أداءً فقط، بل لقاءً عاطفيًا بين أجيال تربّت على هذا المسرح. كان في المشروع حبّ، نوستالجيا، وشغف».
ضمّ الفريق محترفين وآخرين لم يعتلوا المسرح منذ أكثر من ثلاثين عامًا، فكان التحدّي تدريب الجميع وإعادة تفعيل أدواتهم. لذلك لجأت خوري إلى تمارين خاصة وتقنيات تعتمد على التركيز الداخلي، والإحساس، والوعي بالموقع والصوت والحركة.
صدى الجمهور
تؤكّد المخرجة لينا خوري أن ردود فعل الجمهور الذي شاهد المسرحيّة حتى الآن، كانت إيجابية جدًّا، إذ شعر الحضور أنه انتقل في «رحلة كاملة» خلال ساعة ونيّف، بين الضحك والتفكير، وبين العبث والأسئلة الوجودية. الجمهور العادي استمتع بالقصة، فيما التقط الجمهور المسرحي عمق الفوضى المقصودة وصعوبة ضبطها. تقول: «المسرحية تُضحِك، لكنها أيضًا تفتح بابًا واسعًا على الأسئلة الفلسفية. كلّ مُشاهد يأخذ منها ما يشبهه».
خوري ترى أنها تتطوّر مع كل عمل جديد تقدّمه. فقد انتقلت من مسرح اجتماعي يُعالج قضايا النساء قبل عشرين عامًا، إلى أعمال تحمل أبعادًا اجتماعية وسياسية، وصولًا إلى أعمال فكرية وجودية كما حال مسرحيّة «أبو الزوس». ما تغيّر فعلًا هو خبرتها الإخراجية التي باتت تمكّنها من حلّ المشكلات المطلوبة في ثوانٍ، إضافةً إلى نضجها الفكري الذي يجعلها تبحث عن نصوص تُحرّكها فكريًّا وروحيًّا.
الطفرة المسرحيّة في لبنان
في مجال آخر تتوقف لينا خوري عند «ظاهرة» فورة العروض المسرحيّة في السنوات الأخيرة، وترى فيها جانبَين: الجميل أن الجمهور بدأ يعود إلى الصالات، وأن الحركة المسرحية تشهد حيويّة إيجابية. لكنّ السلبيّ برأيها هو انتشار أعمال كثيرة ضعيفة، تعتمد الشهرة السريعة والاستسهال، وتفتقر إلى الرؤية الإخراجية والجدّية الفنية. وبحسب رأيها: «الكمّ لا يعني الجودة. بعض الأعمال تضرّ بالمسرح لأنها تقدّم للجمهور نموذجًا ضعيفًا فيظن أن هذا هو المسرح».
أما من جهتها، ومن خلال «أبو الزوس»، فترى خوري أن المسرح مساحة فكر وحريّة وجمال، وعودتها إليه بعد غيبة، ليست عودة عابرة بل خطوة تؤكد أن المسرح، مهما ضاقت البلاد، سيبقى مكانًا يُنقذ الروح.
مسرحيّة «أبو الزوس»، على خشبة «مسرح غلبنكيان» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» ببيروت، مستمرّة أيام 10 و11 و12 و13 كانون الأول 2025، الساعة الثامنة مساءً.