د. بولا أبي حنا

الهفوة تُصحَّح… لا تُصلَب

4 دقائق للقراءة

في لبنان، لا أحد يطالب بحقّ المسّ بالمقدّسات، ولا أحد يبرّر هفوة أو نكتة غير لائقة. فاحترام المقدّسات ثابت، والمسّ بها مرفوض أخلاقيًا واجتماعيًا. لكنّ ما لا يمكن قبوله هو أن تتصرّف الدولة وكأنّ الخطأ الفكاهي جريمة وجودية، بينما الجرائم الحقيقية التي دمّرت البلد تمرّ بلا محاسبة. حتى لو وقع الخطأ، فالمشكلة ليست في الخطأ، بل في طريقة معالجة السلطة له، معالجة انفعالية لا تشبه دولة، بل ردّة فعل غاضبة تخاف الكلمة أكثر مما تخاف الفساد والانهيار.

المواد القانونية التي تُستخدم اليوم لتجريم الرأي تكشف هذا الخلل بوضوح. فالمادة 317 من قانون العقوبات اللبناني "إثارة النعرات الطائفية" تُطبّق بلا تعريف علمي للتحريض، من دون اشتراط الضرر أو النية أو أي معيار موضوعي. والمادتان 473 و474 "ازدراء الشعائر الدينية" تُركّزان على المشاعر والانزعاج بدل الركن المادي للجرم، وتستند غالبًا إلى ردّات الفعل لا إلى النص. أما المواد 383 إلى 386 في "القدح والذمّ والتحقير"، فتبقي الرأي ضمن دائرة العقاب الجزائي، بينما 47 دولة أوروبية نقلت هذه الأفعال إلى القضاء المدني لأنها لا تُعالج بالعقاب الحرماني بل بالتعويض المدني.

المشكلة ليست فقط في النصوص، بل في كيفية استخدامها. فالدولة تُسخّر هذه المواد لتكميم الأصوات بدل حماية السلم الأهلي. تُعاقِب الانزعاج بدل الضرر، وترفع من شأن المشاعر إلى مستوى الدليل القانوني، وتتعامل مع الضجيج الإعلامي كأنه قاعدة من قواعد الاجتهاد. وما كان يجب أن يُحلّ بالاعتذار أو التوضيح أو النقاش، يتحوّل فورًا إلى ملف أمني واستدعاءات وتضخيم لا يشبه دولة تحترم نفسها.

ولم تتوقّف الفوضى عند حدود الملاحقة القانونية. فبدل أن يُعالَج الخطأ،إن وقع، ضمن إطاره الطبيعي، انفجرت موجة هستيرية على وسائل التواصل: تهديدات شخصية، رسائل سبّ، شتائم طائفية، وحتى تهديد العائلة والأهل، وصولًا إلى نشر الرقم الشخصي للشخص المعنيّ ودعوته إلى "المحاسبة الشعبية". تحوّلت هفوة إلى محكمة شعبية، وتحول النقاش إلى جوقة غوغائية تريد جلد المخطئ وذويه، وكأنّ البلاد بلا قانون ولا مؤسسات. أصبحت القضية رأي عام، وقامت الدنيا ولم تقعد، لا لأنّ الجرح كبير، بل لأنّ العنف اللفظي صار أسرع من العقل، ولأنّ الانتقام بات رياضة وطنية.

 

وهنا يُطرَح السؤال المؤلم: أين نحن من تعاليم المسيح التي نرفعها في كل مناسبة؟
المسيح لم يجُلِد من أخطأ. لم يحرّض الجماهير. لم يسمح بتحويل البشر إلى فرائس غضب. قال ببساطة: "مَن كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر." فأيّ معنى يبقى لهذه التعاليم إذا كان المجتمع أول من يخونها؟

في هذا المشهد المتشنّج، تبرز حقيقة لا مهرب منها:
لا الدين ينهار من نكتة، ولا الإيمان يتفكّك من سخرية، ولا المجتمع يتصدّع من عبارة غير موزونة.

إنّ من ينهار حقًا هو الدولة التي تخاف من كلمة. الدولة التي ترتجف من رأي ليست دولة قوية، بل دولة هشّة تبحث عن هيبتها في المكان الخطأ. الدولة التي تواجه المواطنين بدل الفاسدين ليست دولة قانون، بل دولة مأزومة لا تملك إلا الأدوات السهلة. الدولة التي تعتقل الضحكة وتتجاهل النهب تتصرّف وكأن الخطر الحقيقي هو الفكاهي… لا المنظومة.

وتزداد المفارقة وضوحًا حين نقارن هذا السلوك بما استقرّ عليه القانون المقارن. ففي قضية Giniewski v. France (2006) اعتبرت المحكمة الأوروبية أن انتقاد الدين محمي طالما لا يدعو إلى العنف. وفي E.S. v. Austria (2018) ، رغم تشدد المحكمة، أكدت ضرورة توافر "نية التحريض" ، لا مجرد الإساءة. أما بريطانيا فألغت جرائم التجديف عام 2008 لأنها "لا مكان لها في مجتمع حرّ"، بحسب لجنة إصلاح القانون. وفي الولايات المتحدة، اعتبرت المحكمة العليا في قضية Hustler Magazine v. Falwell (1988) أن السخرية حتى القاسية جزء من النقاش العام، وفي Brandenburg v. Ohio (1969) وضعت القاعدة الذهبية: لا عقاب إلا عند تحريض مباشر ووشيك على عمل إجرامي.

أمام هذا كله، يتذكّر المرء ما قاله البروفسور الأب جورج حبيقة: إن لبنان، منذ نشأته الحديثة، كان منصّة تشبه  "الأغورا" في أثينا، الساحة التي كان يقف فيها الناس ليقولوا أفكارهم بلا خوف. كان لبنان المكان الذي تُسمَع فيه كل الأصوات… وما يجري اليوم هو نقيض هذا الدور.

الدولة التي ترتجف من جملة ليست دولة واثقة، بل دولة فقدت البوصلة.
والنظام الذي يقمع الكلمات لا يبرهن قوّة، بل يكشف خوفًا.
والخطأ، إن وقع، يُعالَج بالهدوء… لا بالعقاب. بالقانون… لا بالهستيريا.