الدكتور طوني بدر

بعد عام على سقوط نظام الأسد: حين يختبر التاريخ جرأة الشعوب

4 دقائق للقراءة

مرّ عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد، وعلى اللحظة التي خرجت فيها سوريا من أكثر مراحلها ظلمة وانغلاقًا. عام واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليعيد رسم صورة بلد كاد العالم أن يشطبه من خرائط السياسة، وليثبت مرة جديدة أن التاريخ لا يمنح فرصه للمترددين، بل يفتح أبوابه لمن يقرّر أن يتحمّل كلفة المواجهة.

بالنسبة للبنانيين، لم يكن هذا الحدث عابرًا. لم يكن خبرًا خارجيًا، ولا شأنًا مجاورًا فحسب. كان لحظة تمس الذاكرة والجراح في آن واحد. فالنظام الذي سقط قبل عام لم يكن مجرّد سلطة داخل سوريا، بل كان لعقود لاعبًا مباشرًا في تفاصيل لبنان، في أمنه وسياساته وحياته اليومية. دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من سيادتهم، واستُنزف بلدهم في صراعات لم يخترها، وسقط له شهداء، وغُيّبت له قيادات، وعاش سنوات طويلة تحت منطق الوصاية والخوف.

في قلب هذا التحوّل، يقف مصير بشار الأسد نفسه كأقسى درس في السياسة والتاريخ. الرجل الذي حكم لسنوات على قاعدة أنه الممثل الأوحد للمنطقة، وصاحب القرار المطلق في الحرب والسلم، بات اليوم خارج بلاده، مطاردًا سياسيًا، فاقدًا لأي شرعية داخلية أو دور إقليمي. هذا السقوط الشخصي لا يحمل بعدًا فرديًا فحسب، بل يجسّد قانونًا تاريخيًا صارمًا: لا قوة تدوم خارج منطق التاريخ، ولا سلطة تستطيع الوقوف طويلًا في وجه التيار العام للشعوب. كل الديكتاتوريات، مهما بدت راسخة في لحظة ما، لها تاريخ انتهاء صلاحية. ومن يسير عكس اتجاه التاريخ، يسقط ولو بعد حين.

لكن ما حدث في سوريا لم يكن انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان تحوّلًا في المعادلات. لسنوات طويلة، حاول السوريون أن يصرخوا في وجه العالم من خلال معارضة سياسية وشعبية دفعت أثمانًا هائلة، وراكمت تضحيات، ودفنت آلاف الضحايا في طريق طويل من الإحباط والخذلان. ومع ذلك، لم تتغيّر الصورة الدولية سريعًا. بقي النظام محميًا بتوازنات إقليمية ودولية معقّدة، وبحسابات باردة فضّلت الاستقرار الزائف على التغيير الحقيقي. إلا أن لحظة الانفجار جاءت عندما تبدّلت تلك الظروف الدولية والإقليمية، فسقط النظام فجأة، لا لأن السوريين لم يحاولوا قبل، بل لأن التاريخ قرّر أخيرًا أن يفتح نافذته. وهنا تتكرّس حقيقة أساسية: الشعوب قد تُترك طويلًا، لكنها لا تُهزم إلى الأبد، ومن يصرّ على الحق لا يخسر، حتى لو تأخّر الانتصار.

وفجأة، البلد الذي كان محكومًا بالعزلة، والمحروم من أي أفق سياسي، عاد إلى خارطة العالم من بوابة جديدة. بدأت المفاوضات الجدية. فُتحت ملفات الإعمار. تغيّرت اللغة الدبلوماسية. لم يتغيّر الموقف الدولي لأن المبادئ استيقظت فجأة، بل لأن الوقائع فرضت نفسها بعد السقوط. سوريا التي كانت محسومة لصالح النظام، عادت دولة قابلة لإعادة البناء، لا ساحة مغلقة للحروب فقط.

وهنا تكمن العبرة الكبرى للبنان.

لبنان اليوم لا يعيش تحت حرب تقليدية، لكنه غارق في شلل من نوع آخر. شلل سياسي، وانكفاء وطني، وخوف دائم من كلفة أي خطوة. نحن بلد يعيش حالة انتظار مفتوح، كأن الزمن متوقف عند حدود الانهيار. ننتظر تسويات الخارج، وننتظر تقاطعات الإقليم، وننتظر تعب الآخرين. لكننا لا ننتظر أنفسنا، ولا نسأل السؤال الأهم: ماذا نفعل نحن؟

ما أظهرته التجربة السورية خلال عام واحد هو أن مصير الدول لا يُحسم فقط بموازين القوة الآنية، بل بإرادة الصبر على الطريق الطويل، وبالقدرة على البقاء في المواجهة حتى لحظة التحوّل. أما الجمود، فلا ينتج سوى مزيد من التهميش. لا أحد في هذا العالم يمنح دولة فرصة لأنها ضعيفة وصامتة. الفرص تُمنح لمن يفرض نفسه، لمن يخرج من موقع المتفرج، لمن يقول "أنا هنا" ويمشي.

لبنان اليوم لا ينقصه الوعي ولا الآلام ولا التشخيص. ينقصه القرار. ينقصه أن ينتقل من خطاب التذمّر إلى مشروع الفعل. أن يستعيد ثقته بنفسه كدولة، لا كساحة. أن يعيد تعريف نفسه كصاحب قضية، لا كمجموعة ملفات مؤجّلة.

ما جرى في سوريا ليس مجرد لحظة انتقالية هناك. هو رسالة مباشرة إلينا. رسالة تقول إن التاريخ لا ينتظر أحدًا طويلًا. ومن لا يملك شجاعة المبادرة، يُكتب له أن يبقى موضوعًا في تقارير الآخرين، لا عنوانًا في مستقبل المنطقة.

بعد عام على سقوط نظام الأسد، سوريا تحاول أن تعود إلى العالم. أما لبنان، فما زال يتردد في أن يعود إلى نفسه.